يقدم توفيق جازوليت في هذا المقال شهادة ذات قيمة تستحق التوقف عندها؛ لأنها لا تصدر عن مراقب صحفي أو متابع من بعيد، ولا عن موقف سياسي مسبق، بل عن مراسل حرب عاش أحداث صيف 1994 بكل تفاصيلها الميدانية، وتنقل بين الجبهات، ورأى بعينه كيف تحولت الحرب من مواجهة عسكرية إلى جرح سياسي عميق لم يُغلق بانتهاء المعركة.
وخلاصة ما يطرحه جازوليت أن حرب 1994 لم تُنهِ القضية الجنوبية، بل كشفت جذورها وعمّقتها، وأن الغلبة العسكرية قد تحسم معركة في الميدان، لكنها لا تستطيع محو قضية يؤمن بها شعب ويواصل الدفاع عنها بإصرار وعزيمة لا تنكسر.
ومن هنا تشكلت قناعة جازوليت بعدالة القضية الجنوبية، لا بوصفها شعارًا عاطفيًا، بل باعتبارها قضية سياسية وتاريخية وقانونية تستوجب معالجة جادة وحقيقية لجذورها وأسبابها، بعيدًا عن التحايل أو التسويف أو إضاعة الوقت.
ولعل أهم ما جاء في مقاله هو دعوته إلى انتقال القضية الجنوبية من مرحلة الشعارات والزخم الجماهيري إلى مرحلة الأدوات الحديثة؛ القائمة على البحث العلمي، والتوثيق التاريخي، والقانون الدولي، والدبلوماسية المؤسسية، والإعلام الاحترافي. فهو يرى أن العالم اليوم لم يعد يقتنع بالحشود وحدها، ولا بالخطاب العاطفي المجرد، بل بالملفات المحكمة، والدراسات الرصينة، والوثائق القانونية، والقدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغته ومصالحه ومعاييره.
وهنا تكمن الفكرة الأعمق؛ فالمليونيات الجنوبية تمثل تعبيرًا صادقًا عن إرادة شعبية عظيمة، لكنها إذا لم تتحول إلى برنامج سياسي ومؤسسي واضح، فقد تتحول مع مرور الوقت إلى مشهد متكرر يستهلك طاقة الناس، من دون أن يفتح أفقًا جديدًا أو يحقق تقدمًا ملموسًا. فالحشود تمنح القضية شرعيتها الشعبية، لكنها وحدها لا تكفي لصناعة الحلول، أو إدارة المرحلة، أو انتزاع الاعتراف السياسي على المستويين الإقليمي والدولي.
لذلك، فإن المطلوب جنوبيًا اليوم هو الانتقال من التعبير عن الإرادة الشعبية إلى إدارة هذه الإرادة وتوجيهها واستثمارها ضمن مشروع وطني متكامل. وهذا يقتضي تأسيس مراكز للدراسات والبحوث، وإعداد ملفات قانونية وحقوقية موثقة، وتوحيد الخطاب السياسي، وتأهيل كوادر دبلوماسية وإعلامية محترفة، وصياغة رواية جنوبية حديثة قادرة على مخاطبة العالم بلغته.
كما يتطلب وضع برنامج وطني واضح للإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي تحدد مسار المرحلة المقبلة: ماذا يريد الجنوبيون تحديدًا؟ وما المشروع الوطني الذي ينبغي العمل عليه بوصفه ملفًا سياسيًا وحقوقيًا وقانونيًا متكاملًا؟ وما الرؤية الواقعية لإدارة المرحلة الحالية؟ وكيف يمكن التحرك بفاعلية على المستويين الوطني والدولي؟ وما الضمانات المطلوبة؟ وما البدائل والخيارات الممكنة في مختلف السيناريوهات؟ إنها أسئلة مفصلية، لكنها ما تزال، للأسف، غائبة عن التفكير المؤسسي، ولم تتحول بعد إلى مشروع عمل منظم، سواء على مستوى الشارع أو لدى كثير من النخب والقوى السياسية.
لقد أثبت الشعب الجنوبي حضوره، وصبره، واستعداده للتضحية، لكن الوفاء الحقيقي لهذا الشعب لا يكون بمجرد الإشادة بعظمته، بل بتحويل هذه التضحيات إلى مشروع سياسي قابل للحياة. فالقضية التي لا تُدار بعقل مؤسسي قد تبقى حاضرة في وجدان الناس، لكنها ستظل تواجه صعوبات في الوصول إلى مراكز ومواقع صناعة القرار.
وفي هذه المرحلة على وجه الخصوص، نحن أحوج ما نكون إلى الجمع بين قوة الإرادة الشعبية والعمل المؤسسي المدروس والمخطط. فالقضية التي تجمع بين الإرادة الشعبية، والفكر السياسي والقانوني، والرؤية الاستراتيجية، والخطاب الدولي الرصين، تنتقل من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة صناعة التأثير، ومن الدفاع عن القضية إلى استثمار مكاسبها وقطف ثمارها.
ومن هنا تبدو شهادة جازوليت دعوة مسؤولة إلى مراجعة أدوات النضال، لا جوهر القضية. فالمطلوب ليس التخلي عن الشارع، بل الارتقاء بدوره عبر منحه قيادة فكرية، وبرنامج عمل واضح، ومؤسسات قادرة على تحويل الهتافات إلى وثائق وبرامج، والحشود إلى قوة تفاوض، والذكرى إلى مشروع وطني واضح المعالم.
وبذلك، يصبح السابع من يوليو ليس مجرد ذكرى للحرب أو للهزيمة، بل محطة لإعادة بناء الوعي الجنوبي؛ والانتقال من ذاكرة الألم إلى عقل الدولة، ومن صلابة الإرادة إلى وضوح الرؤية، ومن عظمة التضحية إلى مسؤولية التخطيط للمستقبل.
الرياض/ 9/7/2026
وخلاصة ما يطرحه جازوليت أن حرب 1994 لم تُنهِ القضية الجنوبية، بل كشفت جذورها وعمّقتها، وأن الغلبة العسكرية قد تحسم معركة في الميدان، لكنها لا تستطيع محو قضية يؤمن بها شعب ويواصل الدفاع عنها بإصرار وعزيمة لا تنكسر.
ومن هنا تشكلت قناعة جازوليت بعدالة القضية الجنوبية، لا بوصفها شعارًا عاطفيًا، بل باعتبارها قضية سياسية وتاريخية وقانونية تستوجب معالجة جادة وحقيقية لجذورها وأسبابها، بعيدًا عن التحايل أو التسويف أو إضاعة الوقت.
ولعل أهم ما جاء في مقاله هو دعوته إلى انتقال القضية الجنوبية من مرحلة الشعارات والزخم الجماهيري إلى مرحلة الأدوات الحديثة؛ القائمة على البحث العلمي، والتوثيق التاريخي، والقانون الدولي، والدبلوماسية المؤسسية، والإعلام الاحترافي. فهو يرى أن العالم اليوم لم يعد يقتنع بالحشود وحدها، ولا بالخطاب العاطفي المجرد، بل بالملفات المحكمة، والدراسات الرصينة، والوثائق القانونية، والقدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغته ومصالحه ومعاييره.
وهنا تكمن الفكرة الأعمق؛ فالمليونيات الجنوبية تمثل تعبيرًا صادقًا عن إرادة شعبية عظيمة، لكنها إذا لم تتحول إلى برنامج سياسي ومؤسسي واضح، فقد تتحول مع مرور الوقت إلى مشهد متكرر يستهلك طاقة الناس، من دون أن يفتح أفقًا جديدًا أو يحقق تقدمًا ملموسًا. فالحشود تمنح القضية شرعيتها الشعبية، لكنها وحدها لا تكفي لصناعة الحلول، أو إدارة المرحلة، أو انتزاع الاعتراف السياسي على المستويين الإقليمي والدولي.
لذلك، فإن المطلوب جنوبيًا اليوم هو الانتقال من التعبير عن الإرادة الشعبية إلى إدارة هذه الإرادة وتوجيهها واستثمارها ضمن مشروع وطني متكامل. وهذا يقتضي تأسيس مراكز للدراسات والبحوث، وإعداد ملفات قانونية وحقوقية موثقة، وتوحيد الخطاب السياسي، وتأهيل كوادر دبلوماسية وإعلامية محترفة، وصياغة رواية جنوبية حديثة قادرة على مخاطبة العالم بلغته.
كما يتطلب وضع برنامج وطني واضح للإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي تحدد مسار المرحلة المقبلة: ماذا يريد الجنوبيون تحديدًا؟ وما المشروع الوطني الذي ينبغي العمل عليه بوصفه ملفًا سياسيًا وحقوقيًا وقانونيًا متكاملًا؟ وما الرؤية الواقعية لإدارة المرحلة الحالية؟ وكيف يمكن التحرك بفاعلية على المستويين الوطني والدولي؟ وما الضمانات المطلوبة؟ وما البدائل والخيارات الممكنة في مختلف السيناريوهات؟ إنها أسئلة مفصلية، لكنها ما تزال، للأسف، غائبة عن التفكير المؤسسي، ولم تتحول بعد إلى مشروع عمل منظم، سواء على مستوى الشارع أو لدى كثير من النخب والقوى السياسية.
لقد أثبت الشعب الجنوبي حضوره، وصبره، واستعداده للتضحية، لكن الوفاء الحقيقي لهذا الشعب لا يكون بمجرد الإشادة بعظمته، بل بتحويل هذه التضحيات إلى مشروع سياسي قابل للحياة. فالقضية التي لا تُدار بعقل مؤسسي قد تبقى حاضرة في وجدان الناس، لكنها ستظل تواجه صعوبات في الوصول إلى مراكز ومواقع صناعة القرار.
وفي هذه المرحلة على وجه الخصوص، نحن أحوج ما نكون إلى الجمع بين قوة الإرادة الشعبية والعمل المؤسسي المدروس والمخطط. فالقضية التي تجمع بين الإرادة الشعبية، والفكر السياسي والقانوني، والرؤية الاستراتيجية، والخطاب الدولي الرصين، تنتقل من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة صناعة التأثير، ومن الدفاع عن القضية إلى استثمار مكاسبها وقطف ثمارها.
ومن هنا تبدو شهادة جازوليت دعوة مسؤولة إلى مراجعة أدوات النضال، لا جوهر القضية. فالمطلوب ليس التخلي عن الشارع، بل الارتقاء بدوره عبر منحه قيادة فكرية، وبرنامج عمل واضح، ومؤسسات قادرة على تحويل الهتافات إلى وثائق وبرامج، والحشود إلى قوة تفاوض، والذكرى إلى مشروع وطني واضح المعالم.
وبذلك، يصبح السابع من يوليو ليس مجرد ذكرى للحرب أو للهزيمة، بل محطة لإعادة بناء الوعي الجنوبي؛ والانتقال من ذاكرة الألم إلى عقل الدولة، ومن صلابة الإرادة إلى وضوح الرؤية، ومن عظمة التضحية إلى مسؤولية التخطيط للمستقبل.
الرياض/ 9/7/2026



















