الأربعاء, 08 يوليو 2026
95
أعلنت الحكومة عن تشكيل لجنة حكومية للإصلاح المؤسسي برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء والمسؤولين التنفيذيين، بهدف قيادة وتوجيه برنامج الإصلاح المؤسسي، وإعادة بناء جهاز الدولة على أسس الكفاءة والحوكمة الرشيدة، وتعزيز الاستدامة المالية، وتحسين جودة الخدمات العامة، ورفع كفاءة الأداء الحكومي.
ومن حيث المبدأ، فإن هذه الخطوة تستحق الترحيب، إذ تعكس إدراكًا رسميًا بأن الجهاز الإداري للدولة بحاجة إلى مراجعة شاملة وإصلاح مؤسسي، وهو أمر أصبح ضرورة في ظل التحديات الاقتصادية والإدارية التي تواجهها البلاد. فالدول لا تنهض بالقرارات وحدها، وإنما بمؤسسات كفؤة قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقويم.
غير أن التجارب الدولية تؤكد أن تشكيل اللجان لا يمثل الإصلاح بحد ذاته، وإنما يمثل بداية طريق طويل تتوقف نتائجه على وضوح الصلاحيات، وكفاءة آليات العمل، والالتزام بتنفيذ المخرجات، وتحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الاجتماعات أو الوثائق، وإنما بتحسن جودة الخدمات، وسرعة إنجاز المعاملات، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية، وتعزيز بيئة الاستثمار، وزيادة ثقة المواطنين في الإدارة العامة.
ومن هنا، تبرز مجموعة من الأسئلة التي ستحدد مستقبل هذه المبادرة. أولها يتعلق بمؤشرات الأداء؛ فالأهداف المعلنة، مثل رفع كفاءة الأداء الحكومي وتحسين الخدمات وتعزيز الاستدامة المالية، تظل عناوين عامة ما لم تتحول إلى مؤشرات قابلة للقياس. فما نسبة التحسن المستهدفة؟ وما المدة الزمنية اللازمة لتحقيقها؟ وكيف ستقاس النتائج؟
أما السؤال الثاني فيتعلق بالإطار الزمني؛ فكل برنامج إصلاح يحتاج إلى خارطة طريق واضحة، تتضمن مراحل تنفيذ محددة، ومواعيد معلنة، وآليات متابعة دورية، حتى يمكن تقييم ما تحقق ومعالجة ما تعثر.
ويبرز أيضًا سؤال المساءلة والشفافية. فمن سيراقب تنفيذ برنامج الإصلاح؟ وهل ستصدر اللجنة تقارير دورية توضح للرأي العام ما تحقق من أهداف وما واجه التنفيذ من تحديات؟ فالشفافية ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل هي أحد أهم مقومات نجاح الإصلاح المؤسسي.
كما أن الإصلاح المؤسسي في البلاد لا يقتصر على إعادة تنظيم الوزارات أو تعديل الإجراءات الإدارية، بل يشمل تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، واستكمال التحول الرقمي، وبناء قواعد بيانات وطنية موحدة، وربط التخطيط بالموازنات وبمؤشرات الأداء، وتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد.
وتقدم التجارب الدولية دروسًا مهمة في هذا المجال. فقد نجحت سنغافورة في بناء جهاز حكومي يقوم على الكفاءة والجدارة وربط الأداء بالنتائج، بينما طورت دولة الإمارات منظومة حكومية ترتكز على التميز المؤسسي، والتحول الرقمي، والحوكمة، وأصبحت جودة الخدمات ورضا المتعاملين من أهم معايير تقييم الأداء. أما رواندا، فقد اعتمدت نظامًا لتعاقدات الأداء يحدد لكل مؤسسة أهدافًا سنوية واضحة، تُراجع نتائجها بصورة دورية، مما أسهم في رفع كفاءة الإدارة العامة وترسيخ المساءلة.
ورغم اختلاف الظروف بين هذه الدول وبين بلادنا، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في أن الإصلاح المؤسسي لا يقاس بعدد اللجان، بل بقدرة المؤسسات على تحقيق نتائج قابلة للقياس والتحسين المستمر.
ولكي تحقق اللجنة أهدافها، فمن المفيد أن تركز على خمس أولويات رئيسة: إعداد خريطة وطنية للإصلاح المؤسسي، وتصميم منظومة لمؤشرات الأداء الحكومي، وتسريع التحول الرقمي وربط قواعد البيانات، وتطوير إدارة الموارد البشرية على أساس الكفاءة والجدارة، وإصدار تقارير دورية تعزز الشفافية والمساءلة.
ويبقى الحكم على هذه اللجنة مرهونًا بما ستنجزه خلال المرحلة المقبلة، لا بقرار تشكيلها. فإذا نجحت في تحويل أهدافها إلى برامج تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، فقد تمثل بداية مرحلة جديدة في مسار الإصلاح المؤسسي. أما إذا بقيت أعمالها في حدود الاجتماعات والتوصيات، فإنها ستضاف إلى قائمة المبادرات التي بدأت بطموحات كبيرة، لكنها لم تترك أثرًا ملموسًا في أداء الدولة.
فالإصلاح المؤسسي ليس قرارًا إداريًا، بل عملية مستمرة لإعادة بناء الدولة، وترسيخ ثقافة الكفاءة والمساءلة، وتحويل الخطط إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.