> «الأيام» فخر العزب:

تتحوّل الأفراح في اليمن التي يفترض أن تكون مناسبات للفرح، إلى مناسبات للحزن بفعل الرصاص الطائش الذي يجعل السماء مصدر خطر يهدد حياة آمنين، ومعظم المآسي تحصل في الأرياف.

يهبط رصاص طائش من سماء أفراح في اليمن ويقطف الأرواح من بين آمنين داخل منازلهم أو في شوارع قراهم، كما يتسبب في مئات الإصابات سنويًا، ويخلّف ندوبًا وجروحًا لا تندمل. وتتالى فصول الجنازات في ظل جهل القائمين على الحفلات، خصوصًا تلك الخاصة بالزواج، أو تجاهلهم أنها تزرع الموت في بيوت أخرى. وهكذا تتحوّل طقوس الابتهاج في اليمن مع مرور الوقت إلى "قنبلة موقوتة" تهدد حياة الجميع وتجعل الرصاص الطائش عنوانًا دائمًا للحزن في أنحاء البلاد.


لم يكن الطفل علي محمد علاية (15 سنة) يكترث بأجواء الصخب والضجيج التي اجتاحت قريته "نوبة علاية" غربي تعز في 30 مايو الماضي، ووقف أمام دكان والده وسط القرية، وكان يراقب المارة في هدوء من دون أن يهتم بعرس جماعي ضم 14 عريسًا في المنطقة، والذين حوّلوا السماء فوق رؤوس أهالي القرية إلى ساحة حرب مصغرة عبر إطلاق آلاف الطلقات النارية في وقت واحد.

وفجأة من بين كل تلك الضوضاء، هوت رصاصة طائشة من السماء في قدرِ محتوم، واخترقت جمجمة الفتى واستقرت قرب فكّه، وحوّلت في لحظة واحدة أجواء البهجة إلى صرخات فزع بعدما انسكب دمه المتدفق من رأسه على الأرض بغزارة.

وبدأت بعد ذلك رحلة معاناة قاسية رافقت عملية إسعافه إلى أحد مستشفيات مدينة المخا، إذ أمضى والده ساعات من البحث المضني عن أسطوانة أكسجين في ظل نقص الإمكانات في المنطقة، ثم نقله في حالة حرجة إلى مدينة تعز حيث لفظ أنفاسه الأخيرة في اليوم التالي، لتتحوّل فرحة العرس الجماعي في المنطقة إلى مأتم حقيقي، في حين قيّدت قضيته، مثل آلاف الجرائم المشابهة، في دفاتر الجهات الأمنية باسم "ضد مجهول"، وتركت خلفها عائلة مفجوعة في انتظار عدالة لا تلوح في الأفق.

وليست مأساة علي سوى حلقة دموية جديدة في مسلسل لا يتوقف. وقبل يومين فقط كانت الطفلة بدور القادري (7 سنوات) التي تعيش عائلتها في مديرية بيحان بمحافظة شبوة، على موعد مع القدر نفسه، إذ اخترقت رصاصة طائشة رقبتها، وأردتها قتيلة على الفور، وأغرقت فستان العيد الذي كانت ترتديه بالدماء وسط ذهول أسرتها.

وبالتزامن مع هذه الفاجعة كان الشاب موسى الحطبي يلفظ أنفاسه الأخيرة في حارة الصبيرة بمدينة رداع بمحافظة البيضاء، بعدما وقع ضحية لطلق ناري غادر استقر في جسده من دون أن يقترف أي ذنب.

ولا تقتصر المآسي على سقوط قتلى جراء الرصاص الطائش، بل تتفاقم لتخلّف إعاقات دائمة، كما حال عفاف ناجي (32 سنة) التي حرمتها رصاصة طائشة استقرت في رحمها الإنجاب إلى الأبد. وتقول عفاف: "أصبت قبل ست سنوات برصاصة طائشة. وبعد أشهر من خضوعي للعلاج اكتشفت أن الرصاصة أصابت الرحم، وأني لم أعد أستطيع الإنجاب". 
  • مقيدة ضد مجهول 
وهذه الندوب التي لا تندمل ليست حالات فردية نادرة، بل انعكاس لواقع يومي يضع المستشفيات والمراكز الصحية في حالة استنفار دائم لاستقبال سيل من الإصابات، حيث تتركز معظم الحالات في الرأس والرقبة والكتفين، متأثرة بسرعة الرصاص الطائش عند سقوطه في شكل عمودي على جسد الضحية.


في السياق، حذرت وزارة الداخلية من خطورة ظاهرة إطلاق النار العشوائي وتهديدها حياة المواطنين مباشرة وفي شكل مستمر. وأعلنت إصابة 8 أشخاص، من بينهم 5 أطفال، في يوم واحد في 29 مايو الماضي، في محافظتي شبوة وتعز، "ما يشير إلى العدد الكبير من الضحايا الذين يسقطون يوميًا وتظل دماؤهم حبيسة إحصاءات غير مكتملة وقضايا تتقيّد دائمًا ضد مجهول".

وليست ظاهرة إطلاق النار في حفلات الزفاف والمناسبات الاجتماعية في اليمن طارئة، بل ممارسة متجذرة في الهوية القبلية والاجتماعية، فالمجتمع اليمني يرى غالبًا في السلاح رمزًا للرجولة والنخوة والشهامة، ويربط بينه وبين المكانة الاجتماعية لحامله، كما يُعد إطلاق الرصاص من أسلحة متنوعة وسيلةً للتباهي والتفاخر بين أبناء القبائل الذين يحرصون على استعراض القوة خلال هذه المناسبات من دون أن يكترثوا بالعواقب الوخيمة التي قد تزهق أرواحًا بريئة.

وتكرر تحول حفلات زفاف إلى ساحة جريمة يصعب فك شيفرتها، إذ يجد ضحايا الرصاص الطائش أنفسهم أمام حواجز وموانع تحول دون وصولهم إلى الإنصاف أو الانتصار لقضاياهم. وتُقيد القضايا غالبًا ضد مجهول بسبب استحالة تحديد مصدر الرصاص القاتل وسط إطلاق نار عشوائي يشارك فيه عشرات المسلحين في وقت واحد، كما يفتقد الضحايا أي دليل جنائي يُدين الجناة الذين يتمتعون بحصانة اجتماعية واسعة.

ويرى الباحث الاجتماعي عارف الشميري، أن "ظاهرة إطلاق الرصاص في المناسبات إحدى صور المفاهيم الخاطئة المتجذرة في المجتمع اليمني حول معاني الرجولة والشهامة والتعبير عن الفرح، بينما هي في الأصل امتداد للمظاهر السلبية للتباهي والتفاخر، إذ لا يمكن للإنسان السوي أن يعبّر عن فرحته بطريقة قد تتسبب في مآسٍ داخل بيوت آخرين". 
  • مبادرات جادة 
و برزت في بعض مناطق تعز وإب ولحج ومحافظات أخرى مبادرات مجتمعية لمحاربة الظاهرة تمثلت في حملات توقيعات قادها وجهاء في قرى للالتزام بعدم إطلاق النار، والاكتفاء باستخدام الألعاب النارية. وتضمنت هذه المبادرات عقوبات اجتماعية صارمة، منها إلزام العريس بدفع غرامة مالية في حال شهد عرسه إطلاق رصاص، واتخاذ موقف جماعي بامتناع الأهالي عن المشاركة في المناسبة.


وتتزامن هذه التحركات مع حملات توعية واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي ومنابر المساجد للتحذير من مخاطر إطلاق الرصاص في الأعراس، وما يترتب عليه من مآسٍ تطاول أرواح أبرياء، كما يقترن العجز القانوني بغياب تشريعات صارمة تُجرّم هذه الظاهرة، لم يسهم في تفشيها فحسب، بل عزز حالة التساهل المجتمعي تجاه هذا العبث القاتل.

في محافظة شبوة، أصدرت السلطات المحلية أخيرًا قرارًا يفرض غرامة 300 ألف ريال يمني على كل من يُطلق النار في الأجواء العامة أو المناسبات الاحتفالية، وذلك ضمن حزمة إجراءات أمنية مشددة تهدف إلى الحدّ من ظاهرة الرصاص الطائش. وأوضحت أن حصيلة الغرامات المالية المُحصّلة ستُوجّه لغرضين إنسانيين وأمنيين، الأول تخصيص جزء منها لتغطية نفقات علاج مصابين تضرروا من الرصاص الطائش خلال الفترات الماضية، والثاني صرف حوافز مالية لأفراد الأمن تقديرًا لجهودهم في حماية المواطنين خلال فترة العيد.

الرصاص الطائش في اليمن استهتار يمكن وقفه، ورغم أهمية المبادرات المجتمعية والقبلية فهي تظل عاجزة إذا لم تساندها إرادة أمنية حازمة تُفعّل القانون وتضع حدًا للعبث، واستمرار تقييد الجرائم ضد مجهول يمنح الجناة الضوء الأخضر للاستمرار في وقت تظل دماء الضحايا تستصرخ ضمير الجميع لإنصافها وتناشد المجتمع ألّا يتسبب رصاص الأفراح بمآسٍ لآخرين.