> «الأيام» الجزيرة نت:

لم يكن عثمان (16 عامًا) يملك خيارًا سوى مواجهة واقع مرير، فقد اضطر للفرار من منزله بسبب النزاع المستعر في اليمن. وتحت وطأة اليأس الاقتصادي الصعب، وجد عثمان نفسه مجبرًا على ترك مقاعد الدراسة ليعمل في ساحة لجمع الخردة المعدنية، محاولًا بجهده الصغير المساعدة في إعالة أسرته وتأمين قوت يومهم.


لكن لقمة العيش المغمسة بالخطر كانت تخبئ له كارثة غيّرت مجرى حياته، ففي العام الماضي، وأثناء عمله، انفجرت ذخيرة من مخلفات الحرب غير المنفجرة كانت مخبأة بعناية بين الخردة المعدنية التي يجمعها. في لحظة واحدة، تسببت الشظايا المتطايرة ببتر ساقه اليسرى، نُقل عثمان على الفور إلى المستشفى حيث تلقى العلاج الطبي الطارئ وخضع لعملية جراحية لإنقاذ حياته.

وبهذه القصة انضم عثمان إلى قائمة طويلة من الأطفال الذين يدفعون ثمن الحرب من أجسادهم ومستقبلهم، إذ كشفت منظمة "أنقذوا الأطفال" أن عدد الأطفال الذين قُتلوا بسبب الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 تجاوز إجمالي عدد الأطفال الذين قتلوا بهذه الأسباب طوال عام 2025. 
  • حصاد الموت الصامت 
ووجَد تحليل المنظمة الإنسانية للبيانات التي جمعها مشروع مراقبة الأثر المدني، وهو جزء من كتلة الحماية في اليمن، زيادة بنسبة 61 % في كل من وفيات وإصابات الأطفال بسبب الألغام الأرضية أو المخلفات غير المنفجرة من يناير إلى يوليو من هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.


وقد قتلت وأصابت الألغام الأرضية والمخلفات غير المنفجرة من الأطفال أكثر مما خلفته أنواع العنف المسلح الأخرى مثل نيران الأسلحة الصغيرة والغارات الجوية والقصف.

ووفقاً للتحليل، فإن حوادث الألغام الأرضية أو المخلفات غير المنفجرة أدت في النصف الأول من هذا العام إلى سقوط ما متوسطه 1.4 ضحية من الأطفال في كل حادثة، مقارنة بـ 0.18 ضحية من الأطفال في الحادثة الواحدة للأنواع الأخرى من العنف المسلح.

تأتي هذه الأنباء بعد شهر واحد فقط من مقتل ما لا يقل عن 5 أطفال وإصابة 7 آخرين بانفجار ذخيرة غير منفجرة بجوارهم أثناء قيامهم بجمع الخردة المعدنية لبيعها. وقد دعمت منظمة إنقاذ الطفولة بعضًا من هؤلاء الأطفال المصابين الذين خضعوا لعمليات جراحية متعددة لاستخراج الشظايا من أجسادهم وأطرافهم السفلية.

ويعد الأطفال في اليمن أكثر عرضة للقتل أو الإصابة بالألغام الأرضية والمخلفات غير المنفجرة بثلاث مرات مقارنة بالبالغين بسبب نقص الوعي بمخاطر الألغام وزيادة المخاطر أثناء الانخراط في الأعمال الخطرة، وتظهر بيانات اليونيسف أن 12.5% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عاما منخرطون في عمالة الأطفال. 
  • محنة مستمرة 
بالعودة إلى قصة عثمان، فإنه يتلقى الدعم من جهاد، 30 عاما، من تعز، الذي يعمل في منظمة إنقاذ الطفولة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المصابين بالانفجارات.


وجهاد نفسه ناجٍ من حادثة لغم أرضي أدت إلى بتر ساقه وإصابة عينه، وعندما شهد إصابة 8 أطفال بقذيفة هاون، قرر تكريس حياته لمساعدة الأطفال المتضررين من الحرب. وتعمل منظمة"أنقذوا الأطفال" أيضًا لضمان عودة عثمان إلى المدرسة وتمكينه من الالتحاق بالتدريب المهني.

يقول عثمان إنه لا يزال هناك العديد من الأطفال يعملون في نفس المكان الذي أُصيب فيه، ويخاطرون بحياتهم كل يوم لمجرد كسب ما يكفي للبقاء على قيد الحياة.

وعلى الرغم من محنته، يأمل عثمان في العودة إلى المدرسة يوما ما إذ يقول في مقابلته مع منظمة "أنقذوا الأطفال" "إذا أُتيحت لي الفرصة للعودة إلى المدرسة، سأعمل بجد لمواصلة تعليمي وأصبح شخصا يمكنه تحقيق أشياء عظيمة في المستقبل". 
  • مستويات غير مسبوقة 
و وجَد تقرير صادر عن منظمة "أنقذوا الأطفال" العام الماضي أن الأسلحة المتفجرة على مستوى العالم تقتل الأطفال بنطاق لم يشهد له مثيلا من قبل، حيث تأتي 60 % من إصابات الأطفال في مناطق الحرب الآن من الأسلحة المتفجرة.


وتدعو منظمة "أنقذوا الأطفال" إلى خفض تصعيد الأزمة، ووقف استخدام الأسلحة المتفجرة، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني لمنع إلحاق المزيد من الضرر بالأطفال والمدنيين.

كما دعت الجهات المانحة الدولية إلى زيادة التمويل لتطهير المخلفات غير المنفجرة، ومساعدة الضحايا، ومبادرات التوعية بالمخاطر التي تم تقليصها بسبب التخفيضات في المساعدات العالمية. وتحتاج الأسر أيضًا إلى مزيد من الدعم لسبل العيش المستدامة حتى لا يضطر الأطفال إلى العمل، مما يعرّضهم للخطر.

و كانت قد كشفت منظمة (Save the Children) في بيان صحفي، إن الألغام الأرضية والمتفجرات من مخلفات الحرب أوقعت 45 ضحية بين الأطفال (20 قتيل و25 إصابة)، خلال الستة الأشهر الأولى من العام 2026.

وأضاف البيان، أمس الأول الخميس 16 يوليو الجاري، أن عدد الضحايا الأطفال في النصف الأول من العام الجاري، يُمثل زيادة قدرها 61% عن نفس الفترة من العام الماضي التي سقط فيها 28 طفلًا (10 قتلى و18 إصابة، ما يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الأطفال، وإزالة مخلفات الحرب المميتة.

وأشارت المنظمة إلى أن عدد الأطفال القتلى في هذه الحوادث يزيد بنسبة 11 % عن العام 2025 بأكمله، والذي شهد 18 قتيلًا بين الأطفال، وفق البيانات التي جمعها مشروع رصد الأثر المدني (CIMP) التابع لكتلة الحماية في اليمن.

وأردف أن الأطفال في اليمن أكثر عرضة للقتل أو الإصابة بالألغام الأرضية، بنسبة ثلاث مرات مقارنة بالبالغين، بسبب نقص الوعي بمخاطر الألغام وزيادة المخاطر أثناء العمل في الأعمال الخطرة، وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 12.5% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عامًا يمارسون عمالة الأطفال. 
  • اليونيسف تحذر 
ومن جهتها، طالبت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، بضرورة تكثيف الجهود الرامية لحماية الأطفال في اليمن من مخاطر الألغام الأرضية ومخلفات الحرب المتفجرة، وذلك عقب مقتل ثمانية أطفال وإصابة سبعة آخرين في انفجار مروع في قرية ريبي محافظة الضالع. مؤكدة أن هذه المأساة تسلط الضوء مجددًا على المخاطر المستمرة التي تشكلها الألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب على حياة الأطفال في اليمن.