> إليونورا أرديماني:
لم يعد حوثيو اليمن ينظرون إلى النهاية المحتملة للهدنة، سواء داخل البلاد أو مع السعودية، باعتبارها تهديدًا. بل على العكس من ذلك، فإنهم يختبرون حدودها لتعزيز “سيادتهم المفترضة” في المناطق الخاضعة لسيطرتهم في شمال غربي البلاد. هذا ما يشي به الهجوم الذي شنته الجماعة المدعومة من إيران على هدف في المملكة العربية السعودية، وهو الأول منذ أربع سنوات. ففي 13 يوليو، استهدف الحوثيون بالصواريخ مطارًا مدنيًا سعوديًا في أبها بمنطقة عسير الجنوبية. وقد جاء هذا الهجوم، الذي اعترضته الدفاعات الجوية السعودية، ردًا على ضربة جوية استهدفت مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفدًا حوثيًا؛ وهي ضربة تبنتها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، لكن أُلقي باللوم فيها على الرياض.
وفي الوقت الراهن، يُعزى التغيير في نهج الحوثيين على الأرجح إلى تحول في تقييم الحركة المسلحة، وذلك في السياق الأوسع لـ "النصف الثاني" من الحرب الأمريكية الإيرانية. إذ توحي تحركات الحوثيين بأن الجماعة المدعومة من إيران لم تعد تعتبر الهدنة خيارًا استراتيجيًا، ولا أمرًا ملائمًا من الناحية السياسية. ويرجع ذلك على الأرجح إلى أن انتزاع تنازلات من السعودية، لا سيما من المنظور المالي وإعادة الإعمار، أصبح أمرًا غير واقعي بالنسبة للحوثيين؛ خاصة مع تراجع رغبة الرياض، بعد حرب إيران، في منح طهران وحلفائها أي هوامش نفوذ على حدودها.
ولا تزال حكومة الأمر الواقع الحوثية عاجزة عن دفع رواتب موظفي القطاع العام. وطوال عام 2026، حثت الجماعة الرياض مرارًا وتكرارًا على تمويل أجور القطاع العام، بما في ذلك في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بينما طالبت أيضًا بتعويضات عن التبعات الاقتصادية للحصار. وفي ظل هذه الخلفية، كثف الحوثيون من بروباغنداهم المناهضة للسعودية، محملين الرياض مسؤولية تدهور الظروف المعيشية. وكان احتمال الحصول على هذه التنازلات الاقتصادية، التي كانت بالفعل مصدرًا للخلافات في الماضي، أحد العوامل التي عززت حذر الحوثيين السابق في استئناف الهجمات، سعيًا منهم للحفاظ على مكاسب مسار وقف إطلاق النار. ومع ذلك، ومع تعثر التقدم في خارطة الطريق وتغير السياق الإقليمي، تلاشت حالة ضبط النفس هذه إلى حد كبير، خاصة في ضوء النهج المتطور الذي تتبعه السعودية تجاه الجماعة.
علاوة على ذلك، بات الحوثيون ينظرون بصورة متزايدة إلى السعودية كخصم محلي، وهو ما يسهم أيضًا في فهم تحول تقييمهم من الحذر نحو التحدي. فبعد هزيمة الانفصاليين المدعومين من الإمارات في يناير 2026، أصبحت الرياض الفاعل المهيمن في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، حيث استثمرت موارد مالية وعسكرية ضخمة لتوحيد القطاع الأمني وصرف رواتب موظفي القطاع العام بانتظام.
ومع تصاعد التوترات مجددًا مع السعودية، يبدأ الحوثيون في تطبيق بعض الدروس المستفادة من حرب إيران. أولًا، تُظهر الجماعة المدعومة من إيران تماثلًا في طريقة تهديدها للرياض. فعلى سبيل المثال، بعد تحميل السعوديين مسؤولية الضربة التي استهدفت مطار صنعاء، قرر الحوثيون مهاجمة مطار داخل السعودية، وهو ما يحاكي تمامًا ما تفعله إيران باستهداف البنية التحتية لدول الخليج ردًّا على الضربات الأمريكية التي تطال البنية التحتية الإيرانية.
ثانيًا، يحاول الحوثيون فرض أمر واقع في اليمن من خلال السماح بالوصول الجوي إلى إيران – كما أكدت مؤسسات معترف بها – لتعزيز سيطرتهم الجوية، وهو ما يعكس في المجال الجوي مساعي طهران لفرض سيطرتها بالقوة على حركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي أوائل يوليو، تشير زيارة المبعوث الإيراني إلى صنعاء للإعلان عن خط جوي مع طهران، تلاها أول هبوط لطائرة قادمة من إيران في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إلى أن الجماعة تهدف إلى تعزيز “سيادتها المفترضة” على المناطق التي تسيطر عليها. ويحظى هذا الجهد بدعم من طهران وتنفذه الجماعة الحوثية التي باتت تقر الآن علنًا بالوجود والنشاط الإيراني في اليمن، بعد أن كانت في الماضي تميل إلى التقليل من شأنه لتأكيد استقلاليتها.
ومن خلال السعي إلى المواجهة مع الحكومة اليمنية، وقبل كل شيء مع الرياض، يركز الحوثيون على الخطاب السياسي القائم على "وحدة الساحات"، الذي يربط في هذه الحالة مصير مضيق هرمز بمصير مضيق باب المندب. وبسبب نهج التحدي الذي يبديه الحوثيون، فإن التهديدات التي تواجه حرية الملاحة في جنوب البحر الأحمر باتت حاليًا أعلى مما كانت عليه في السابق. وبالنظر إلى منطق التماثل الذي يظهره الحوثيون، تزداد المخاطر أيضًا جراء القرار الأمريكي بإعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية. وسواء استؤنفت الهجمات البحرية أم لا، فإن عامل الخطر المرتبط بانهيار الهدنة اليمنية كفيل بتغيير استراتيجيات الأطراف المعنية، مما يحمل في طياته مزيدًا من التوترات والاحتمالات بحدوث حسابات خاطئة.
وفي عملية تشكيل تصور التهديد، يبرز عامل النفط كعنصر حاسم؛ إذ لا تعتمد صادرات النفط السعودية بالكامل على ممر البحر الأحمر طالما ظل مضيق هرمز مهددًا فحسب، بل إن معظم نفطها يجب أن يمر عبر باب المندب للوصول إلى آسيا، مما يمنح الحوثيين قدرة هائلة على التعطيل والتخريب. علاوة على ذلك، تشهد الهجمات التي تتخذ طابع القرصنة في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية ارتفاعًا ملحوظًا، مقتربة من السواحل اليمنية. وقد يرتبط هذا التوجه بالعلاقات المتنامية بين الحوثيين وشبكات حركة “الشباب” المرتبطة بالقرصنة الصومالية، مما يضيف مصدرًا آخر لعدم الاستقرار في ممر البحر الأحمر.
ومع استئناف الحرب الإيرانية، لا يُرجح أن يتجه الحوثيون والسعودية فورًا نحو تصعيد مباشر ومتبادل. لكن خطر التصعيد، الذي تغذيه الديناميكيات المحلية والإقليمية، قد غيّر بالفعل ملامح الهدنة اليمنية، مقوضًا توازنًا دقيقًا، وإن كان ممتدًا، دام لأربع سنوات. ومع التركيز على المصلحة الخاصة للجماعة ومصالح طهران، دخل الحوثيون مرحلة جديدة ومنزلقة من المواجهة مع السعوديين.
* معهد الدراسات السياسية الدولية – إيطاليا
- تحول في التقييم
وفي الوقت الراهن، يُعزى التغيير في نهج الحوثيين على الأرجح إلى تحول في تقييم الحركة المسلحة، وذلك في السياق الأوسع لـ "النصف الثاني" من الحرب الأمريكية الإيرانية. إذ توحي تحركات الحوثيين بأن الجماعة المدعومة من إيران لم تعد تعتبر الهدنة خيارًا استراتيجيًا، ولا أمرًا ملائمًا من الناحية السياسية. ويرجع ذلك على الأرجح إلى أن انتزاع تنازلات من السعودية، لا سيما من المنظور المالي وإعادة الإعمار، أصبح أمرًا غير واقعي بالنسبة للحوثيين؛ خاصة مع تراجع رغبة الرياض، بعد حرب إيران، في منح طهران وحلفائها أي هوامش نفوذ على حدودها.
- من الحذر إلى التحدي
ولا تزال حكومة الأمر الواقع الحوثية عاجزة عن دفع رواتب موظفي القطاع العام. وطوال عام 2026، حثت الجماعة الرياض مرارًا وتكرارًا على تمويل أجور القطاع العام، بما في ذلك في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بينما طالبت أيضًا بتعويضات عن التبعات الاقتصادية للحصار. وفي ظل هذه الخلفية، كثف الحوثيون من بروباغنداهم المناهضة للسعودية، محملين الرياض مسؤولية تدهور الظروف المعيشية. وكان احتمال الحصول على هذه التنازلات الاقتصادية، التي كانت بالفعل مصدرًا للخلافات في الماضي، أحد العوامل التي عززت حذر الحوثيين السابق في استئناف الهجمات، سعيًا منهم للحفاظ على مكاسب مسار وقف إطلاق النار. ومع ذلك، ومع تعثر التقدم في خارطة الطريق وتغير السياق الإقليمي، تلاشت حالة ضبط النفس هذه إلى حد كبير، خاصة في ضوء النهج المتطور الذي تتبعه السعودية تجاه الجماعة.
علاوة على ذلك، بات الحوثيون ينظرون بصورة متزايدة إلى السعودية كخصم محلي، وهو ما يسهم أيضًا في فهم تحول تقييمهم من الحذر نحو التحدي. فبعد هزيمة الانفصاليين المدعومين من الإمارات في يناير 2026، أصبحت الرياض الفاعل المهيمن في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، حيث استثمرت موارد مالية وعسكرية ضخمة لتوحيد القطاع الأمني وصرف رواتب موظفي القطاع العام بانتظام.
- تطبيق دروس حرب إيران على اليمن
ومع تصاعد التوترات مجددًا مع السعودية، يبدأ الحوثيون في تطبيق بعض الدروس المستفادة من حرب إيران. أولًا، تُظهر الجماعة المدعومة من إيران تماثلًا في طريقة تهديدها للرياض. فعلى سبيل المثال، بعد تحميل السعوديين مسؤولية الضربة التي استهدفت مطار صنعاء، قرر الحوثيون مهاجمة مطار داخل السعودية، وهو ما يحاكي تمامًا ما تفعله إيران باستهداف البنية التحتية لدول الخليج ردًّا على الضربات الأمريكية التي تطال البنية التحتية الإيرانية.
ثانيًا، يحاول الحوثيون فرض أمر واقع في اليمن من خلال السماح بالوصول الجوي إلى إيران – كما أكدت مؤسسات معترف بها – لتعزيز سيطرتهم الجوية، وهو ما يعكس في المجال الجوي مساعي طهران لفرض سيطرتها بالقوة على حركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي أوائل يوليو، تشير زيارة المبعوث الإيراني إلى صنعاء للإعلان عن خط جوي مع طهران، تلاها أول هبوط لطائرة قادمة من إيران في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إلى أن الجماعة تهدف إلى تعزيز “سيادتها المفترضة” على المناطق التي تسيطر عليها. ويحظى هذا الجهد بدعم من طهران وتنفذه الجماعة الحوثية التي باتت تقر الآن علنًا بالوجود والنشاط الإيراني في اليمن، بعد أن كانت في الماضي تميل إلى التقليل من شأنه لتأكيد استقلاليتها.
ومن خلال السعي إلى المواجهة مع الحكومة اليمنية، وقبل كل شيء مع الرياض، يركز الحوثيون على الخطاب السياسي القائم على "وحدة الساحات"، الذي يربط في هذه الحالة مصير مضيق هرمز بمصير مضيق باب المندب. وبسبب نهج التحدي الذي يبديه الحوثيون، فإن التهديدات التي تواجه حرية الملاحة في جنوب البحر الأحمر باتت حاليًا أعلى مما كانت عليه في السابق. وبالنظر إلى منطق التماثل الذي يظهره الحوثيون، تزداد المخاطر أيضًا جراء القرار الأمريكي بإعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية. وسواء استؤنفت الهجمات البحرية أم لا، فإن عامل الخطر المرتبط بانهيار الهدنة اليمنية كفيل بتغيير استراتيجيات الأطراف المعنية، مما يحمل في طياته مزيدًا من التوترات والاحتمالات بحدوث حسابات خاطئة.
- المخاوف السعودية من التطويق
وفي عملية تشكيل تصور التهديد، يبرز عامل النفط كعنصر حاسم؛ إذ لا تعتمد صادرات النفط السعودية بالكامل على ممر البحر الأحمر طالما ظل مضيق هرمز مهددًا فحسب، بل إن معظم نفطها يجب أن يمر عبر باب المندب للوصول إلى آسيا، مما يمنح الحوثيين قدرة هائلة على التعطيل والتخريب. علاوة على ذلك، تشهد الهجمات التي تتخذ طابع القرصنة في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية ارتفاعًا ملحوظًا، مقتربة من السواحل اليمنية. وقد يرتبط هذا التوجه بالعلاقات المتنامية بين الحوثيين وشبكات حركة “الشباب” المرتبطة بالقرصنة الصومالية، مما يضيف مصدرًا آخر لعدم الاستقرار في ممر البحر الأحمر.
ومع استئناف الحرب الإيرانية، لا يُرجح أن يتجه الحوثيون والسعودية فورًا نحو تصعيد مباشر ومتبادل. لكن خطر التصعيد، الذي تغذيه الديناميكيات المحلية والإقليمية، قد غيّر بالفعل ملامح الهدنة اليمنية، مقوضًا توازنًا دقيقًا، وإن كان ممتدًا، دام لأربع سنوات. ومع التركيز على المصلحة الخاصة للجماعة ومصالح طهران، دخل الحوثيون مرحلة جديدة ومنزلقة من المواجهة مع السعوديين.
* معهد الدراسات السياسية الدولية – إيطاليا
















