ليست هذه دعوة إلى الانتقام، ولا إلى التشفي، ولا إلى تصفية الحسابات. إنها دعوة إلى إعادة ما ليس لأحدٍ حق فيه إلى أصحابه الحقيقيين: الناس الذين اكتووا بنار الفقر والجوع والمرض والبطالة، وحُرموا عقودًا من أبسط شروط الحياة الكريمة.

منذ عام 1990، ظل ملايين اليمنيين في الجنوب والشمال يبحثون عن راتب، ودواء، وماء، وكهرباء، ومدرسة، وفرصة عمل؛ بينما عاش بعض من تولوا أعلى مواقع السلطة والمال والثروة، هم وأسرهم ومن ارتبط بمصالحهم، في مستوى من الثراء والامتياز لا تفسره رواتب الدولة ولا الدخول المشروعة المعروفة.

ولم يقتصر الأمر على التمتع بما جُمع خلال سنوات النفوذ، بل تحولت الثروة والسلطة لدى بعضهم إلى حق متوهم، يسعون إلى حمايته وتوريثه، وإبقاء الدولة والمال والقرار في أيديهم وأيدي أبنائهم عقودًا أخرى، كأن الشعب خُلق ليدفع الثمن، وكأن المنصب ملك عائلي لا أمانة عامة.

لهذا تُطرح مبادرة وطنية محددة لمراجعة ملفات ألف مسؤول ممن تولوا منذ عام 1990 أعلى مواقع القرار والمسؤولية عن المال والثروات والأراضي والعقود والإيرادات والمؤسسات العامة.

تبدأ المراجعة بأعلى مئتي مسؤول، ثم مئتي مسؤول احتياط، ثم بقية الألف عند الحاجة. ولا فرق بين شمالي وجنوبي، ولا بين حزب أو قبيلة أو مكون. المعيار واحد:

كم كان دخل المسؤول المشروع؟ وكم سنة خدم؟ وكيف تكوّنت ثروته وثروة أسرته؟

ما ثبت أنه مال مشروع يبقى مصونًا لصاحبه، وما ثبت أنه نتج عن استغلال السلطة أو الاستيلاء على المال العام أو تحويل ممتلكات الدولة إلى منافع خاصة، يعود إلى الشعب بالقانون والقضاء.

فالغاية ليست إفقار أحد، بل وقف إفقار الملايين. وليست حرمان أسرة من حقها، بل منع أسر بعينها من الاستمرار في التمتع بحقوق شعب كامل.

وتُودع الأموال والأصول المستردة في صندوق تنمية مستقل وشفاف، وتعود إلى الناس في صورة كهرباء ومياه ومستشفيات ومدارس وطرق وموانئ ومشروعات وفرص عمل وتعويض عن عقود من الحرمان.

إن اليمن، جنوبًا وشمالًا، يحتاج إلى برنامج نهضة متدرج يقارب مئتي مليار دولار. وقد تسهم استعادة الأموال، إلى جانب تنمية الموارد والاستثمارات والشراكات الندية مع دول الجوار والعالم، في توفير الأساس الحقيقي لهذه النهضة.

لكن القيمة الأهم ليست فيما يُسترد من مال وحده، بل فيما يُسترد من معنى الدولة والعدالة:

أن يعرف كل مسؤول أن ضعف الدولة لا يمنحه الحق في نهبها، وأن طول النفوذ لا يحول المال العام إلى إرث، وأن الأبناء لا يرثون مناصب آبائهم ولا ما جُمع باستغلالها.

هذه المبادرة ليست ضد ألف شخص، بل مع شعب كامل. وليست عقابًا للماضي فحسب، بل حماية للمستقبل، حتى لا يُورَّث الفساد كما وُرِّث النفوذ، ولا يُطلب من جيل جديد أن يعيش الفقر نفسه كي يستمر آخرون في الامتياز نفسه.

لقد دفع الشعب الثمن طويلًا. وحان الوقت أن يعود إليه ما هو له، وأن تنتهي القاعدة التي جعلت قلة تتنعم، بينما وطن بأكمله يجوع.