عندما يذكر الأمن الغذائي في اليمن، تتجه الأنظار فوراً إلى السفن المحملة بالقمح، وإلى الموانئ، وإلى أسعار الشحن، وإلى باب المندب. وكأن أمن اليمن الغذائي يبدأ من البحر وينتهي عند رغيف الخبز.
لكن الحقيقة التي نتجنب الاعتراف بها هي أن أخطر ما يهدد اليمن ليس احتمال إغلاق باب المندب، ولا اضطراب التجارة العالمية، ولا حتى ارتفاع أسعار الغذاء، بل غياب استراتيجية وطنية تجعل اليمن قادراً على الصمود عندما تتوقف السفن عن الوصول.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن العالم لم يعد مستقراً كما كان. فالحروب تتوسع، وسلاسل الإمداد تتعطل، والممرات البحرية قد تصبح ساحات صراع في أي لحظة. والدولة التي تعتمد على الاستيراد لتوفير معظم غذائها تصبح رهينة لقرارات لا تملك التحكم فيها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه اليمن اليوم ليس: كيف نستورد المزيد من الغذاء؟ وإنما: كيف نصبح قادرين على إطعام أنفسنا عندما يعجز العالم عن إطعامنا؟. هنا تظهر الحاجة إلى ما أسميه (استراتيجية السيادة الغذائية المرنة)؛ وهي رؤية تعتبر الغذاء جزءاً من الأمن القومي، لا مجرد قضية زراعية. فالسيادة الغذائية لا تعني الاكتفاء الذاتي الكامل، فهذا قد لا يكون واقعياً، وإنما تعني امتلاك القدرة على الاستمرار والإنتاج والتكيف مهما كانت الظروف.
لكن هذه الاستراتيجية لا يجب أن تعيد إنتاج الأفكار التقليدية نفسها، بل أن تتبنى حلولاً غير مسبوقة. أول هذه الحلول هو الانتقال من (المخزون الغذائي) إلى (النظام الغذائي اللامركزي). فبدلاً من بناء صوامع ضخمة في مدينة أو ميناء قد تتعرض للتدمير أو التعطل، يمكن إنشاء آلاف المخازن الصغيرة المنتشرة في القرى والتعاونيات الزراعية، وربطها بمنصة وطنية رقمية تُحدث بياناتها باستمرار. عندها، يصبح تعطيل نقطة واحدة غير كافٍ لتعطيل منظومة الغذاء بأكملها، تماماً كما صُممت شبكة الإنترنت لتستمر في العمل حتى عند تعطل أجزاء منها.
أما الفكرة الثانية، فهي إنشاء (بنك وطني للبذور). فالدول لا تخزن الأموال فقط، بل تخزن مستقبلها الزراعي أيضاً. يجب حفظ السلالات اليمنية من الحبوب والبقوليات والنباتات المحلية في مراكز متخصصة، حتى لا تضيع بسبب الحرب أو الجفاف أو تغير المناخ. فمن يملك البذور، يملك القدرة على استعادة الإنتاج.
والفكرة الثالثة ربما تبدو غريبة، لكنها قد تكون من أكثر الحلول تأثيراً: (تحويل كل مدرسة في اليمن إلى مزرعة تعليمية صغيرة). ليس الهدف هو إنتاج الغذاء فقط، بل إنتاج ثقافة جديدة. تخيل جيلاً كاملاً يتخرج وهو يعرف كيف يزرع، وكيف يدير المياه، وكيف يحافظ على التربة. عندها تصبح الزراعة جزءاً من الهوية الوطنية، لا مهنة اضطرارية.
أما المدن اليمنية، فهي تخفي ثروة غير مستغلة. آلاف الأسطح الخرسانية يمكن أن تتحول إلى حدائق منتجة للخضروات والأعشاب الطبية باستخدام تقنيات الزراعة الخفيفة. لن يحل ذلك مشكلة الغذاء بالكامل، لكنه سيقلل الضغط على الأسواق، ويمنح الأسر قدراً من الاكتفاء، ويحول المستهلك إلى منتج.
ومن الأفكار التي تستحق النقاش أيضاً إنشاء (صندوق السيادة الغذائية للمغتربين اليمنيين). فبدلاً من أن تذهب نسبة كبيرة من التحويلات إلى الاستهلاك قصير الأجل، يمكن توجيه جزء منها إلى الاستثمار في مزارع حديثة، ومشاريع ري، واستزراع سمكي، وصناعات غذائية. وهكذا تتحول تحويلات المغتربين إلى مصانع للغذاء، لا إلى نفقات تنتهي مع نهاية الشهر.
وفي المقابل، يجب أن يتوقف التعامل مع الزراعة بوصفها مسؤولية وزارة واحدة. الأمن الغذائي قضية تتداخل فيها المياه، والطاقة، والتعليم، والاقتصاد، والدفاع، والإدارة المحلية. ولهذا فإن ((اليمن بحاجة إلى مجلس أعلى للسيادة الغذائية))، ينسق بين جميع هذه القطاعات ضمن رؤية وطنية طويلة الأمد.
كما أن الوقت قد حان للنظر إلى البحر بطريقة مختلفة. فالساحل اليمني ليس مجرد ممر لعبور السفن، بل يمكن أن يصبح أكبر مزرعة غذائية في البلاد إذا استثمر في الاستزراع السمكي، ومصانع التجميد والتعليب، وسلاسل التبريد، بما يخلق مورداً مستداماً للبروتين وفرص العمل.
ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة هيكلة الخريطة الزراعية. فليس من المنطقي أن تحاول كل محافظة إنتاج كل شيء. الأفضل هو (التخصص الذكي)؛ بحيث تتميز كل منطقة بالمحاصيل التي تمنحها الطبيعة أفضلية نسبية، ثم تُربط المحافظات بشبكة توزيع وطنية تحقق التكامل، لا التكرار.
وربما تكون الفكرة الأكثر جرأة هي أن يصبح لكل أسرة يمنية (احتياطي غذائي منزلي) يكفي عدة أشهر، تدعمه الدولة بالتوعية والحوافز. فالأمن الغذائي لا يبدأ من الحكومة وحدها، بل من قدرة المجتمع نفسه على الاستعداد للأزمات.
إن اليمن لا يفتقر إلى الأرض، ولا إلى الإنسان، ولا إلى التاريخ الزراعي. ما ينقصه هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على الصمود. فالدول العظيمة لا تنتظر الكوارث حتى تتحرك، بل تبني أنظمة تجعل الكوارث أقل تأثيراً.
لقد أصبح الأمن الغذائي في القرن الحادي والعشرين معياراً جديداً للقوة الوطنية. ولم تعد قوة الدول تقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل أيضاً بعدد الأيام التي تستطيع فيها إطعام شعبها إذا انقطعت عنها التجارة العالمية.
ومن هنا، فإن أخطر سؤال يجب أن يواجهه اليمن ليس: ماذا سنفعل إذا أغلق باب المندب؟ بل: لماذا ما زلنا نبني أمننا الغذائي على افتراض أن باب المندب سيظل مفتوحاً دائماً؟ز عندما نجيب عن هذا السؤال بصدق، سنكتشف أن الطريق إلى السيادة يبدأ من الحقل قبل أن يبدأ من الميناء، ومن البذرة قبل أن يبدأ من السفينة، ومن الاستراتيجية قبل أن يبدأ من الأزمة.
لكن الحقيقة التي نتجنب الاعتراف بها هي أن أخطر ما يهدد اليمن ليس احتمال إغلاق باب المندب، ولا اضطراب التجارة العالمية، ولا حتى ارتفاع أسعار الغذاء، بل غياب استراتيجية وطنية تجعل اليمن قادراً على الصمود عندما تتوقف السفن عن الوصول.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن العالم لم يعد مستقراً كما كان. فالحروب تتوسع، وسلاسل الإمداد تتعطل، والممرات البحرية قد تصبح ساحات صراع في أي لحظة. والدولة التي تعتمد على الاستيراد لتوفير معظم غذائها تصبح رهينة لقرارات لا تملك التحكم فيها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه اليمن اليوم ليس: كيف نستورد المزيد من الغذاء؟ وإنما: كيف نصبح قادرين على إطعام أنفسنا عندما يعجز العالم عن إطعامنا؟. هنا تظهر الحاجة إلى ما أسميه (استراتيجية السيادة الغذائية المرنة)؛ وهي رؤية تعتبر الغذاء جزءاً من الأمن القومي، لا مجرد قضية زراعية. فالسيادة الغذائية لا تعني الاكتفاء الذاتي الكامل، فهذا قد لا يكون واقعياً، وإنما تعني امتلاك القدرة على الاستمرار والإنتاج والتكيف مهما كانت الظروف.
لكن هذه الاستراتيجية لا يجب أن تعيد إنتاج الأفكار التقليدية نفسها، بل أن تتبنى حلولاً غير مسبوقة. أول هذه الحلول هو الانتقال من (المخزون الغذائي) إلى (النظام الغذائي اللامركزي). فبدلاً من بناء صوامع ضخمة في مدينة أو ميناء قد تتعرض للتدمير أو التعطل، يمكن إنشاء آلاف المخازن الصغيرة المنتشرة في القرى والتعاونيات الزراعية، وربطها بمنصة وطنية رقمية تُحدث بياناتها باستمرار. عندها، يصبح تعطيل نقطة واحدة غير كافٍ لتعطيل منظومة الغذاء بأكملها، تماماً كما صُممت شبكة الإنترنت لتستمر في العمل حتى عند تعطل أجزاء منها.
أما الفكرة الثانية، فهي إنشاء (بنك وطني للبذور). فالدول لا تخزن الأموال فقط، بل تخزن مستقبلها الزراعي أيضاً. يجب حفظ السلالات اليمنية من الحبوب والبقوليات والنباتات المحلية في مراكز متخصصة، حتى لا تضيع بسبب الحرب أو الجفاف أو تغير المناخ. فمن يملك البذور، يملك القدرة على استعادة الإنتاج.
والفكرة الثالثة ربما تبدو غريبة، لكنها قد تكون من أكثر الحلول تأثيراً: (تحويل كل مدرسة في اليمن إلى مزرعة تعليمية صغيرة). ليس الهدف هو إنتاج الغذاء فقط، بل إنتاج ثقافة جديدة. تخيل جيلاً كاملاً يتخرج وهو يعرف كيف يزرع، وكيف يدير المياه، وكيف يحافظ على التربة. عندها تصبح الزراعة جزءاً من الهوية الوطنية، لا مهنة اضطرارية.
أما المدن اليمنية، فهي تخفي ثروة غير مستغلة. آلاف الأسطح الخرسانية يمكن أن تتحول إلى حدائق منتجة للخضروات والأعشاب الطبية باستخدام تقنيات الزراعة الخفيفة. لن يحل ذلك مشكلة الغذاء بالكامل، لكنه سيقلل الضغط على الأسواق، ويمنح الأسر قدراً من الاكتفاء، ويحول المستهلك إلى منتج.
ومن الأفكار التي تستحق النقاش أيضاً إنشاء (صندوق السيادة الغذائية للمغتربين اليمنيين). فبدلاً من أن تذهب نسبة كبيرة من التحويلات إلى الاستهلاك قصير الأجل، يمكن توجيه جزء منها إلى الاستثمار في مزارع حديثة، ومشاريع ري، واستزراع سمكي، وصناعات غذائية. وهكذا تتحول تحويلات المغتربين إلى مصانع للغذاء، لا إلى نفقات تنتهي مع نهاية الشهر.
وفي المقابل، يجب أن يتوقف التعامل مع الزراعة بوصفها مسؤولية وزارة واحدة. الأمن الغذائي قضية تتداخل فيها المياه، والطاقة، والتعليم، والاقتصاد، والدفاع، والإدارة المحلية. ولهذا فإن ((اليمن بحاجة إلى مجلس أعلى للسيادة الغذائية))، ينسق بين جميع هذه القطاعات ضمن رؤية وطنية طويلة الأمد.
كما أن الوقت قد حان للنظر إلى البحر بطريقة مختلفة. فالساحل اليمني ليس مجرد ممر لعبور السفن، بل يمكن أن يصبح أكبر مزرعة غذائية في البلاد إذا استثمر في الاستزراع السمكي، ومصانع التجميد والتعليب، وسلاسل التبريد، بما يخلق مورداً مستداماً للبروتين وفرص العمل.
ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة هيكلة الخريطة الزراعية. فليس من المنطقي أن تحاول كل محافظة إنتاج كل شيء. الأفضل هو (التخصص الذكي)؛ بحيث تتميز كل منطقة بالمحاصيل التي تمنحها الطبيعة أفضلية نسبية، ثم تُربط المحافظات بشبكة توزيع وطنية تحقق التكامل، لا التكرار.
وربما تكون الفكرة الأكثر جرأة هي أن يصبح لكل أسرة يمنية (احتياطي غذائي منزلي) يكفي عدة أشهر، تدعمه الدولة بالتوعية والحوافز. فالأمن الغذائي لا يبدأ من الحكومة وحدها، بل من قدرة المجتمع نفسه على الاستعداد للأزمات.
إن اليمن لا يفتقر إلى الأرض، ولا إلى الإنسان، ولا إلى التاريخ الزراعي. ما ينقصه هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على الصمود. فالدول العظيمة لا تنتظر الكوارث حتى تتحرك، بل تبني أنظمة تجعل الكوارث أقل تأثيراً.
لقد أصبح الأمن الغذائي في القرن الحادي والعشرين معياراً جديداً للقوة الوطنية. ولم تعد قوة الدول تقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل أيضاً بعدد الأيام التي تستطيع فيها إطعام شعبها إذا انقطعت عنها التجارة العالمية.
ومن هنا، فإن أخطر سؤال يجب أن يواجهه اليمن ليس: ماذا سنفعل إذا أغلق باب المندب؟ بل: لماذا ما زلنا نبني أمننا الغذائي على افتراض أن باب المندب سيظل مفتوحاً دائماً؟ز عندما نجيب عن هذا السؤال بصدق، سنكتشف أن الطريق إلى السيادة يبدأ من الحقل قبل أن يبدأ من الميناء، ومن البذرة قبل أن يبدأ من السفينة، ومن الاستراتيجية قبل أن يبدأ من الأزمة.














