في زخم الخطاب السياسي الذي يملأ فضاءاتنا كل يوم، نجد أنفسنا أمام سيل من الكلمات المعسولة عن "الإخلاص" و"الوفاء"؛ كلمات رنانة تلامس شغاف القلوب، وتستثير المشاعر، وتستحضر في النفوس أسمى المعاني.
ولا يجادل عاقل في قيمة هاتين الصفتين، فالإخلاص هو البوصلة التي لا تضل، والوفاء هو الرابط الذي لا ينفصم.
لكن المشكلة ليست في القيم ذاتها، بل في تحويلها إلى تراخيص للإعفاء من المسؤولية، وإلى شهادات براءة تُصرف دون عناء.
لقد صار البعض يظن أن مجرد التباكي على الإخلاص يكفي، وأن التغني بالوفاء يغني عن المحاسبة، وكأننا أمام معادلة واهية تقول "طالما أنا مخلص وفي، فمن حقي أن أفشلا وان اكون فاسدا دون أن يوجه إليَّ سؤال" ، وهنا مكمن الخطر، وهنا موضع الزلل.
لكن السؤال الأعمق يظل معلقاً في الهواء، ينتظر إجابة صادقة: متى نغادر مربع العاطفة الضيق إلى فضاء العقل الرحب؟ ومتى يتحرر الحديث من أغلال المعنويات ليكون الإنجاز هو الحكم والفصل؟
نغادر مربع العاطفة حين ندرك أن المشاعر مهما اشتعلت ناراً لا تشق طريقاً، ولا تضع حجراً، ولا تملأ جوف جائع.
نغادر حين نرفع أيدينا عن النيات في ساعة المحاسبة، وننظر إلى الأعمال كما هي حقائق ملموسة، ونتائج قابلة للقياس، لا كما نتصوّرها في أوهامنا.
والحديث بلغة العقل يعني أن نعترف – بكل شجاعة – أن الفشل يبقى فشلاً وإن لفّته أردية الإخلاص، وأن النجاح يبقى نجاحاً وإن جفّت منابع العاطفة في التعبير عنه.
فالإخلاص نية في القلب، والوفاء عهد في الضمير، وكلاهما من كنوز الباطن التي لا تُرى ولا تُقاس ولا توزن.
قد يكون المرء شديد الإخلاص في نيته، لكنه عاجز في أدواته، وقد يكون وفياً لقضيته أو لقيادته، لكنه غائب عن نبض الناس وقضاياهم.
ولا يمكن - بحال من الأحوال - أن تُبنى الدول على النوايا وحدها، أو أن تُقام الصروح على التمنيات وحدها.
الإنجاز هو الجسر الذي يعبر بنا من عالم النيات إلى عالم الحقائق.
فالوطن لا يسألك "أتحبني؟" بل يسألك "ماذا قدمت لي؟" إنه المدرسة التي انفتحت أبوابها للعلم، والجامعة التي أشرقت بنور المعرفة، والطريق الذي مدّ جسوره بين المدن، والأمن الذي ضربت جذوره في القلوب، والخدمات التي
التي عمّ نفعها ، وحس الناس بجودتها.
الإنجاز هو اللغة الوحيدة الصادقة التي يترجم بها الإخلاص عن نفسه؛ فما قيمة إخلاص بلا أثر؟ وما قيمة وفاء بلا ثمر؟
غير أن الإنجاز - في حقيقته - ليس طيفاً واحداً، ولا وجهاً واحداً. فهناك إنجاز مؤقت، سرعان ما يتلاشى كما يتلاشى السراب في قيظ الظهيرة، أو كخطٍ مرسوم على وجه الماء، يمحوه غفلة أصحابه، أو تطمسه ترهل إدارتهم، أو تحرقه نيران أخطائهم التي تتوالى كالنار في الهشيم. هذا النوع يولد ميتاً أو يموت مع ميلاده، لأنه قام على عجل، واستند إلى شخص لا إلى نظام، واستعجل الثمار قبل أن ترسخ جذوره في الأرض.
وفي الجانب الآخر، هناك إنجاز استراتيجي يظل خالداً بعد صانعيه، يتنفس في وجدان الشعب، ويأبى أن يمحوه الزمان.
إنه كالنقش في الصخر، وكالنخلة الباسقة التي تظل تثمر بعد أن يرحل غارسها.
هو ما يتحول إلى تراث، وإلى جزء من هوية الوطن، وإلى سندٍ للحاضر والمستقبل.
وأما مقومات بقاء هذا الإنجاز الخالد فتتلخص في ثلاث:
أولاً، الإتقان الذي يجعله يقهر عوامل التآكل والاندثار.
ثانياً، المؤسسية التي تحميه من تقلبات الأهواء وتبدل الأشخاص، فتظل عجلة الخير تدور وإن تغير من يديرها.
ثالثاً، العدالة في التوزيع، التي تجعل أثر الإنجاز يمتد إلى كل أحد، فلا يختص بأحد دون آخر، ولا يزول بزوال صاحبه، بل يصبح ملكاً للجميع، وحقاً للجميع، وسؤدداً للوطن.
نحن لا ندعو إلى نبذ الإخلاص والوفاء، كلا، بل ندعو إلى نقلهما من دائرة "المعنوي" إلى فضاء "العملي"، ومن عالم "ماذا تقول" إلى عالم "ماذا فعلت". فليكن الإخلاص دافعاً، والوفاء خُلقاً، ولكن ليكن الإنجاز هو الميزان الذي توزن به الأعمال، والمعيار الذي يُحكم به على النجاح والاستمرار.
فالأوطان لا تُبنى بالخطب، ولا تُعمر بالشعارات، ولا تزدهر بالمناشير؛ الأوطان تُبنى بما يُنجز على الأرض، وبما يترك أثراً في الواقع، وبما يمس حياة الناس في مأكلهم ومشربهم ومستقبلهم. فمن أراد الوطن فليدعه قولاً، وليجعل إخلاصه فعلاً، ووفاءه عملاً، وإنجازه ميزاناً.
ولا يجادل عاقل في قيمة هاتين الصفتين، فالإخلاص هو البوصلة التي لا تضل، والوفاء هو الرابط الذي لا ينفصم.
لكن المشكلة ليست في القيم ذاتها، بل في تحويلها إلى تراخيص للإعفاء من المسؤولية، وإلى شهادات براءة تُصرف دون عناء.
لقد صار البعض يظن أن مجرد التباكي على الإخلاص يكفي، وأن التغني بالوفاء يغني عن المحاسبة، وكأننا أمام معادلة واهية تقول "طالما أنا مخلص وفي، فمن حقي أن أفشلا وان اكون فاسدا دون أن يوجه إليَّ سؤال" ، وهنا مكمن الخطر، وهنا موضع الزلل.
لكن السؤال الأعمق يظل معلقاً في الهواء، ينتظر إجابة صادقة: متى نغادر مربع العاطفة الضيق إلى فضاء العقل الرحب؟ ومتى يتحرر الحديث من أغلال المعنويات ليكون الإنجاز هو الحكم والفصل؟
نغادر مربع العاطفة حين ندرك أن المشاعر مهما اشتعلت ناراً لا تشق طريقاً، ولا تضع حجراً، ولا تملأ جوف جائع.
نغادر حين نرفع أيدينا عن النيات في ساعة المحاسبة، وننظر إلى الأعمال كما هي حقائق ملموسة، ونتائج قابلة للقياس، لا كما نتصوّرها في أوهامنا.
والحديث بلغة العقل يعني أن نعترف – بكل شجاعة – أن الفشل يبقى فشلاً وإن لفّته أردية الإخلاص، وأن النجاح يبقى نجاحاً وإن جفّت منابع العاطفة في التعبير عنه.
فالإخلاص نية في القلب، والوفاء عهد في الضمير، وكلاهما من كنوز الباطن التي لا تُرى ولا تُقاس ولا توزن.
قد يكون المرء شديد الإخلاص في نيته، لكنه عاجز في أدواته، وقد يكون وفياً لقضيته أو لقيادته، لكنه غائب عن نبض الناس وقضاياهم.
ولا يمكن - بحال من الأحوال - أن تُبنى الدول على النوايا وحدها، أو أن تُقام الصروح على التمنيات وحدها.
الإنجاز هو الجسر الذي يعبر بنا من عالم النيات إلى عالم الحقائق.
فالوطن لا يسألك "أتحبني؟" بل يسألك "ماذا قدمت لي؟" إنه المدرسة التي انفتحت أبوابها للعلم، والجامعة التي أشرقت بنور المعرفة، والطريق الذي مدّ جسوره بين المدن، والأمن الذي ضربت جذوره في القلوب، والخدمات التي
التي عمّ نفعها ، وحس الناس بجودتها.
الإنجاز هو اللغة الوحيدة الصادقة التي يترجم بها الإخلاص عن نفسه؛ فما قيمة إخلاص بلا أثر؟ وما قيمة وفاء بلا ثمر؟
غير أن الإنجاز - في حقيقته - ليس طيفاً واحداً، ولا وجهاً واحداً. فهناك إنجاز مؤقت، سرعان ما يتلاشى كما يتلاشى السراب في قيظ الظهيرة، أو كخطٍ مرسوم على وجه الماء، يمحوه غفلة أصحابه، أو تطمسه ترهل إدارتهم، أو تحرقه نيران أخطائهم التي تتوالى كالنار في الهشيم. هذا النوع يولد ميتاً أو يموت مع ميلاده، لأنه قام على عجل، واستند إلى شخص لا إلى نظام، واستعجل الثمار قبل أن ترسخ جذوره في الأرض.
وفي الجانب الآخر، هناك إنجاز استراتيجي يظل خالداً بعد صانعيه، يتنفس في وجدان الشعب، ويأبى أن يمحوه الزمان.
إنه كالنقش في الصخر، وكالنخلة الباسقة التي تظل تثمر بعد أن يرحل غارسها.
هو ما يتحول إلى تراث، وإلى جزء من هوية الوطن، وإلى سندٍ للحاضر والمستقبل.
وأما مقومات بقاء هذا الإنجاز الخالد فتتلخص في ثلاث:
أولاً، الإتقان الذي يجعله يقهر عوامل التآكل والاندثار.
ثانياً، المؤسسية التي تحميه من تقلبات الأهواء وتبدل الأشخاص، فتظل عجلة الخير تدور وإن تغير من يديرها.
ثالثاً، العدالة في التوزيع، التي تجعل أثر الإنجاز يمتد إلى كل أحد، فلا يختص بأحد دون آخر، ولا يزول بزوال صاحبه، بل يصبح ملكاً للجميع، وحقاً للجميع، وسؤدداً للوطن.
نحن لا ندعو إلى نبذ الإخلاص والوفاء، كلا، بل ندعو إلى نقلهما من دائرة "المعنوي" إلى فضاء "العملي"، ومن عالم "ماذا تقول" إلى عالم "ماذا فعلت". فليكن الإخلاص دافعاً، والوفاء خُلقاً، ولكن ليكن الإنجاز هو الميزان الذي توزن به الأعمال، والمعيار الذي يُحكم به على النجاح والاستمرار.
فالأوطان لا تُبنى بالخطب، ولا تُعمر بالشعارات، ولا تزدهر بالمناشير؛ الأوطان تُبنى بما يُنجز على الأرض، وبما يترك أثراً في الواقع، وبما يمس حياة الناس في مأكلهم ومشربهم ومستقبلهم. فمن أراد الوطن فليدعه قولاً، وليجعل إخلاصه فعلاً، ووفاءه عملاً، وإنجازه ميزاناً.














