> د. سعيد شرياف:

ليست علاقة الشعوب بالتاريخ علاقةً بالماضي وحده؛ فالتاريخ، حين يتحول إلى وعي، يصبح حاضرًا ومستقبلًا في آنٍ واحد. وليس المهم أن نعرف ماذا حدث فحسب، وإنما أن نفهم لماذا حدث، وما الذي تركه في وعينا، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه حتى لا نعيد إنتاج الشروط التي صنعت أزماتنا.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى النظر في تاريخ الجنوب العربي من زاوية مختلفة؛ لا باعتباره سجلًا للصراعات والانقسامات والمآسي، ولا باعتباره مجالًا لاستدعاء الخصومات والثارات، وإنما باعتباره ذاكرة شعب، وتجربة أجيال، وتراكمًا من الخبرات يمكن أن يتحول إلى قوة لبناء المستقبل.

وهنا يبرز مفهوما : روح التاريخ، ومَكر التاريخ؛ فروح التاريخ هي ما يبقى حيًا في وجدان الشعوب رغم تغير الأزمنة والأنظمة والظروف؛ الهوية، والذاكرة، والتجارب المتراكمة، والمصالح المشتركة، والتطلعات التي تنتقل من جيل إلى آخر.

أما مَكر التاريخ، فليس مؤامرة يدبرها التاريخ، وإنما هو تلك المفارقة التي تجعل الأحداث تقود أحيانًا إلى نتائج لم تكن في حساب أصحابها. فقد تأتي التحولات بما لم يتوقعه الفاعلون، وقد تكشف الهزائم ما لم تكشفه الانتصارات، وقد تحمل التجارب القاسية في داخلها درسًا لا يظهر إلا بعد مرور الزمن.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على تاريخ الجنوب العربي ليس فقط: من أخطأ؟ ومن أصاب؟ ومن انتصر؟ ومن خسر؟

فهذه أسئلة مهمة لفهم الماضي، لكنها لا تكفي لصناعة المستقبل.

السؤال الأعمق هو: ماذا يريد التاريخ أن يعلمنا؟ فإذا بدا أن التاريخ يعيد نفسه، فربما لا يكون التاريخ هو الذي يكرر نفسه، وإنما الإنسان هو الذي يعيد إنتاج الظروف ذاتها؛ حين يعجز عن تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع.

وهذه واحدة من القضايا التي تستحق التأمل في تجربة الجنوب العربي؛ فقد مر الجنوب بتحولات تاريخية عميقة، وعرف مراحل مختلفة من التكوين السياسي والاجتماعي، وشهد صراعات وانقسامات، كما عرف لحظات من الأمل والاستقرار والاضطراب. وكل مرحلة تركت أثرها في الذاكرة الجنوبية، وكل جيل أضاف إلى تلك الذاكرة تجربته الخاصة. وهكذا أصبحت الذاكرة الجنوبية طبقات متراكمة من التجارب والتطلعات والآلام والآمال؛ لكن الذاكرة، مهما كانت عظيمة، لا تكفي وحدها.

فالذاكرة التي لا تتحول إلى وعي قد تصبح أسرًا للماضي، والهوية التي لا تتحول إلى مشروع قد تنتهي إلى مجرد شعار، والتاريخ الذي لا نقرأه إلا من خلال جراحنا قد يتحول من مصدر للحكمة إلى مصدر لإعادة إنتاج الجراح، ولهذا فإن المطلوب ليس أن ينسى الجنوب العربي تاريخه، وإنما أن يعيد قراءة هذا التاريخ بوعي أوسع من الخصومة، وبنظرة تتجاوز أسر اللحظة إلى فهم أعمق لمسار التجربة؛ ففي التاريخ ما يفرق، ولكن فيه أيضًا ما يجمع، وفيه صفحات مؤلمة ينبغي ألا ننكرها، ولكن فيه كذلك دروس وتجارب ينبغي ألا نهدرها.

وفيه صراعات صنعت خصومات، ولكن فيه أيضًا روابط اجتماعية وثقافية وحضارية، ومصالح مشتركة، أعمق من كثير من تلك الصراعات، وهنا تصبح الهوية الجنوبية أكثر من مجرد استدعاء للماضي؛ تصبح وعيًا بالمشترك؛ فالهوية الحية ليست أن نتشابه في كل شيء، وإنما أن ندرك ما يجمعنا، وأن نعرف كيف ندير اختلافاتنا دون أن تتحول إلى قطيعة أو عداء، وهذا ربما يكون أحد أهم دروس التاريخ؛ فالقوة لا تأتي بالضرورة من إزالة الاختلاف، وإنما من القدرة على إدارة الاختلاف داخل إطار مشترك، ومن تحويل التنوع إلى مصدر قوة بدل أن يصبح سببًا دائمًا للصراع.

ومن هنا فإن المستقبل الذي يحتاجه الجنوب العربي ليس مستقبلًا يقوم على استعادة الماضي بحذافيره، وإنما على استيعاب الماضي وبناء ما يتجاوزه.

فالسؤال الذي ينبغي أن ينتقل إليه الوعي الجنوبي هو: ليس فقط: كيف نستعيد ما كان؟

بل: كيف نبني ما ينبغي أن يكون؟ وهنا تبدأ روح التاريخ في الظهور بمعناها الأعمق. فروح التاريخ ليست في تكرار أشكال الماضي، وإنما في فهم المعاني التي بقيت حية عبر الزمن. وليست في استعادة زمن بعينه، وإنما في اكتشاف ما يمكن أن نتعلمه منه لبناء زمن جديد. إن الهوية ليست سجنًا للمستقبل، بل يمكن أن تكون نافذته.

وذاكرة الجنوب ليست عبئًا ينبغي التخلص منه، بل يمكن أن تكون مصدرًا للثقة بالنفس، إذا تحررت من نزعة الانتقام.وتاريخ الجنوب ليس ميدانًا دائمًا لإعادة توزيع الاتهامات، بل يمكن أن يصبح مدرسة سياسية واجتماعية يتعلم منها الجيل الجديد كيف يتجنب أخطاء الأجيال السابقة.

فالأجيال لا تكرّم أسلافها بتكرار أخطائهم، وإنما بتحويل تجاربهم إلى معرفة، ومعرفتهم إلى حكمة، وحكمتهم إلى مستقبل أفضل.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يصبح ماضيه أكبر من مستقبله؛ أن يظل منشغلًا بما حدث إلى الدرجة التي يعجز فيها عن التفكير فيما ينبغي أن يحدث.

أما الشعب الذي يجعل من تاريخه طاقة للمستقبل، فإنه لا يقطع صلته بالماضي، بل يرتقي بعلاقته معه.

وهذا هو الوعي بالتاريخ: أن نعرف من أين أتينا، دون أن نفترض أن علينا أن نبقى هناك.

أن نحترم ذاكرتنا، دون أن نسمح لها بأن تحكم مستقبلنا، أن نقرأ أخطاءنا بشجاعة، لا لكي ندين بعضنا إلى الأبد، وإنما لكي لا نورث أبناءنا الأخطاء نفسها.

وأن ندرك أن الجنوب العربي ليس مجرد جغرافيا تتنازعها الوقائع السياسية، وإنما هو تجربة تاريخية وإنسانية، وهوية وذاكرة، ومصالح ومستقبل مشترك.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست مع الماضي، وإنما مع الطريقة التي نفهم بها الماضي، فإذا قرأناه بعقل الثأر، ورثنا الثأر.

وإذا قرأناه بعقل المناحة، ورثنا الحزن. أما إذا قرأناه بعقل التاريخ، فإننا نرث الحكمة، وهنا يلتقي مَكر التاريخ بروحه.

فالتاريخ قد يأخذ الشعوب عبر طرق لم تخترها، وقد يضعها أمام نتائج لم تكن في حساباتها، لكنه يترك لها دائمًا فرصة أن تفهم تجربتها، وأن تستخلص منها ما يعينها على اختيار طريقها التالي.

وربما يكون هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتوقف عنده اليوم؛ فالجنوب العربي لا يحتاج إلى أن يختار بين ذاكرته ومستقبله.

إنه يحتاج إلى أن يجعل ذاكرته جسرًا إلى مستقبله، لا أن ينكر الماضي، ولا أن يعيش أسيرًا له، لا أن يمحو الاختلاف، ولا أن يجعل الاختلاف سببًا للصراع الدائم.

لا أن يبحث في التاريخ عن خصوم جدد، وإنما أن يبحث فيه عن المعنى الذي يمكن أن يجمع أبناءه؛ فالماضي لا يستطيع أن يعود كما كان، لكن روحه يمكن أن تتحول إلى مستقبل جديد، وهنا تكمن رؤية المستقبل: أن تتحول التجربة إلى وعي، والوعي إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى حياة أكثر أمنًا واستقرارًا وكرامة، تتسع لأبناء الجنوب جميعًا.

فربما كان مَكر التاريخ، بكل ما حمله من مفاجآت وآلام وتحولات، قد ساق الجنوب إلى سؤال لم يكن يستطيع أن يطرحه من قبل: كيف نحول تاريخنا من قوة تستنزفنا إلى قوة تبني مستقبلنا؟

والجواب يبدأ من الوعي.

روح التاريخ أن نحفظ ذاكرتنا، ومَكر التاريخ أن يعلمنا كيف نتجاوز أسرها، وبين الروح والمَكر، بين ما ورثناه وما نريد أن نصنعه، يبقى مستقبل الجنوب العربي مفتوحًا أمام قدرة أبنائه على أن يحولوا التاريخ من عبء إلى حكمة، ومن ذاكرة إلى وعي، ومن وعي إلى مشروع؛ فالتاريخ لا يمنح الشعوب مستقبلها جاهزًا؛ لكنه يمنحها ما هو أثمن: القدرة على أن تفهم نفسها، وأن تختار مستقبلها .