تمر السنوات، وتتغير الوجوه والأمكنة، وتتبدل الأزمنة، لكن هناك لحظات تظل واقفة في مكانها داخل الذاكرة، كأن الزمن لم يستطع أن يعبر فوقها.
وفي ذكرى تأسيس الجيش الوطني الجنوبي، عادت بي الذاكرة إلى واحدة من تلك اللحظات التي لم تكن بالنسبة لي مجرد ذكرى عابرة، وإنما كانت درسًا مبكرًا في معنى الكرامة والحرية والوطن.
إنها لحظتي الأولى مع القائد الكبير الشهيد علي عنتر؛ الرجل الذي لم يكن بالنسبة لنا مجرد قائد عسكري أو سياسي، بل كان واحدًا من أولئك الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة كاملة من تاريخنا، وبمشروع وطني حلم ببناء وطن حر، ودولة وطنية حديثة، ومجتمع يشعر فيه الإنسان بأنه مواطن كامل الكرامة والحقوق.
وفي إحدى ليالي صيف عام 1966، التقيت علي عنتر في قريتي القفلة في زبيد الحبيبة.
وحين رأيته، هرعت إليه لأُسلّم عليه، وأردت أن أُسلّم على ركبته، كما كنا نفعل صغارًا مع آبائنا وكبارنا.
لا أذكر أنني فهمت كل أبعاد تلك الكلمات في ذلك العمر.
لكنني شعرت بها.
دخلت إلى أعماقي وبقيت هناك.
قد تبدو الحكاية بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت أول درس حقيقي في معنى الكرامة.
فقد علّمني علي عنتر، من دون محاضرة ولا كتاب، أن الثورة التي لا تجعل الإنسان أكثر حرية وكرامة تفقد جوهرها، وأن الوطن الذي يُطلب من أبنائه أن يضحوا من أجله، يجب أن يكون وطنًا يحفظ لهم إنسانيتهم وحقوقهم.

علي عنتر
تعلمنا من علي عنتر أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن المصلحة الوطنية يجب أن تعلو على المصالح الخاصة، وأن القيادة مسؤولية قبل أن تكون سلطة.
وتعلمنا أن الجيش الوطني ليس مجرد سلاح وثكنات ورتب عسكرية، وإنما هو مؤسسة وطنية يفترض أن تكون في خدمة الوطن والشعب، وأن تكون مهمتها حماية الدولة وأمن المجتمع وكرامة المواطن.
وأن المواطنة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما هي حقوق متساوية، وواجبات متساوية، وفرص متساوية، وعدالة أمام القانون.
وما أحوجنا اليوم إلى استعادة المعنى العميق لهذه العبارة.
الدولة الحقيقية هي التي يكون فيها القانون فوق الجميع، والمواطنون متساوين في الكرامة والحقوق، وتكون مؤسساتها أقوى من الأشخاص، ومصلحة الوطن أعلى من مصالح الجماعات والأفراد.
رحم الله الشهيد علي عنتر، ورحم رفاقه وكل الذين رحلوا وهم يحملون أحلامهم لوطن حر كريم.
وفي هذه الذكرى، تحية احترام وتقدير لكل من أسهم في تأسيس القوات المسلحة، ولكل من خدم في صفوفها بشرف وإخلاص، ولكل من حمل السلاح دفاعًا عن الوطن والناس.
وإذا كانت السنوات قد أخذت منا الكثير من الوجوه التي أحببناها، فإنها لم تستطع أن تأخذ منا الدروس التي تركوها.
وما زلت، بعد كل هذه العقود، أتذكر يد علي عنتر وهي ترفع رأسي إلى الأعلى، وكأنها تقول لي:
رحم الله من مضوا، وحفظ من بقي، وحفظ الوطن وأهله، وجعل القادم من أيامنا أكثر حرية وعدلًا وكرامة.
وكل عام وأنتم والوطن بخير وسلام ومحبة.
















