> جمال شنيتر:

 يصل محمد هاشم الحامد منذ أكثر من ثلاثة عقود إلى المكتبة السلطانية يوميًا في المكلا بحضرموت،  ومع محدودية الطاقم الوظيفي وكبر سن بعض العاملين، لا يكتفي بمهامه الإدارية بل يشارك في ترتيب الكتب وفهرستها، واستقبال الإصدارات الجديدة وتهيئتها للباحثين والقراء.

بالنسبة إليه، العمل في المكتبة "عمل إبداعي وفكري جميل" وعلاقته بالكتاب بدأت قبل وصوله إلى المكتبة السلطانية، حين كان يعمل في الهيئة العامة للكتاب بحضرموت ويشارك في إقامة معارض الكتب داخل المحافظة.


و ترتبط قصة المكتبة السلطانية بتاريخ السلطنة القعيطية في حضرموت (1846-1967)، وبالبدايات المبكرة للحركة الثقافية الحديثة في المكلا وحضرموت. وكانت نواتها الأولى في عهد السلطان عمر بن عوض القعيطي، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى مقرها فوق سقف مسجد عمر في المكلا عام 1941، خلال عهد السلطان صالح بن غالب القعيطي.

وكان صالح بن غالب، الذي تولى سلطنة الشحر والمكلا عام 1936 واستمر في الحكم حتى وفاته عام 1956، مهتمًا بالعلم والثقافة والتأليف. وخلال عهده شهدت المكتبة توسعًا وإثراءً لمجموعتها، إذ أضاف إليها كتبًا من مكتبته الخاصة، بينها مؤلفات بالعربية والإنجليزية والأوردية.

وكان السلطان صالح بن غالب أيضًا مؤلفًا وكاتبًا، وله عدد من الأعمال من بينها كتاب "مصادر الأحكام الشرعية"، وهو ما يضيف بعدًا آخر إلى علاقته بالمكتبة التي ارتبط اسمه بتطويرها. ولهذا، يمثل عام 1941 محطة مهمة في تاريخ المكتبة، وإن لم يكن بالضرورة تاريخ نشأتها الأولى.

ويقدر الحامد مجموع ما تحتويه المكتبة بنحو 20 ألف كتاب وصحيفة ودورية في مجالات متعددة، بينها التاريخ والأدب والعلوم والطب والفلسفة واللغات.

ويضيف "كل كتاب يعد تاريخًا بحد ذاته، بسبب قدمه وندرته وصعوبة الحصول عليه". وهنا تتجاوز المكتبة وظيفتها التقليدية كمكان للقراءة، لتصبح أرشيفًا يحفظ جانبًا من الذاكرة الثقافية لحضرموت.

ويهتم الحامد بتهيئة المراجع التي يحتاجها الباحثون وطلاب الدراسات العليا، وتعريف الزوار بتاريخ المكتبة ومراحل نشأتها وتطورها.

يرى الحامد أن علاقة الجيل الجديد بالكتاب تغيرت بصورة واضحة، إذ أصبح كثير من الطلاب يعتمدون على المصادر الرقمية للحصول على المعلومات، لكنه يرى أن سهولة الوصول إلى المعلومة لا تعني دائمًا التحقق من صحتها أو إدراك قيمة المصدر الذي جاءت منه.
ومع ذلك، لا يرى أن الحل يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في توظيفها لحماية الكتاب وإتاحة محتواه. ولهذا، بدأت المكتبة خطوات نحو الفهرسة الإلكترونية بالتعاون مع معهد العمران التابع لمؤسسة نهد، من خلال إعداد فهرسة إلكترونية لمجموعاتها.

وجرت محاولات بالتعاون مع مؤسسة حضرموت الثقافية لرقمنة جزء من الكتب، إلا أن ضعف الاعتمادات المالية حدَّ من استمرار المشروع، واقتصر العمل على مراحل من الفهرسة الداخلية.

وكان الطموح أن يتطور المشروع إلى تطبيق إلكتروني يتيح للباحثين الاطلاع على محتويات المكتبة وبيانات الكتب والمراجع، وصولاً إلى رقمنة أوسع لمجموعاتها.

لا تتوقف المكتبة عن استقبال الكتب والإصدارات الجديدة. ففي عام 2022 تسلمت 5 آلاف كتاب مهداة من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، شملت مجالات الأدب والسياسة والقانون.

لكن وصول الكتب الجديدة يطرح مشكلة أخرى، بحسب الحامد، إذ لا تملك المكتبة مساحة كافية لعرض الإصدارات الحديثة، مما يؤدي إلى تكدس بعضها في المستودعات بدلًا من إتاحتها أمام القراء والباحثين.

يعد نقص الموظفين من أبرز الصعوبات التي تواجه المكتبة، فحجم مجموعاتها واتساع مهامها يحتاجان إلى كادر أكبر، بينما أصبح بعض العاملين غير قادرين على الاستمرار في الدوام بسبب تقدم العمر أو ظروف أخرى.
ويقول الحامد إن محدودية عدد العاملين تجعل جزءًا كبيرًا من المسؤوليات يقع عليه، إلى جانب عمله المرتبط بالهيئة العامة للكتاب في حضرموت.

وتحتاج المكتبة إلى تحديث بنيتها وخدماتها، وتوفير مساحة أفضل للكتب، واستكمال الفهرسة الإلكترونية، بما يساعدها على مواكبة التحولات التي يشهدها قطاعا الكتاب والنشر.

ولا تتعلق هذه المطالب برفاهية مؤسسة ثقافية، بقدر ما ترتبط بحماية مجموعة من الكتب والمراجع والصحف والدوريات التي يصعب تعويض بعضها إذا فُقد.
"اندبندنت عربية"