الأربعاء, 02 سبتمبر 2026
147
حين يعجز أصحاب الرواية عن تقديم دولة، يقدمون لنا صورة رئيس.
وحين يعجزون عن تقديم شرعية، يقدمون لنا مظاهرة.
وحين يعجزون عن تقديم تاريخ، يقدمون لنا هتافًا.
فدعونا نخرج قليلًا من الغيبوبة ونسأل السؤال الذي يبدو أن أحدًا لا يريد سماعه:
رئيس الجنوب؟!
رئيس أي دولة بالضبط؟
هل ظهرت دولة جديدة ونحن نائمون؟
هل أعلنت قيامها، وحددت حدودها، ودستورها، ومؤسساتها، ثم اختارت رئيسًا دون أن تخبر أحدًا؟
أم أن الصورة المرفوعة في الشارع أصبحت اليوم أقوى من التاريخ والقانون والواقع؟!
عيدروس الزبيدي كان رئيسًا للمجلس الانتقالي الجنوبي.
مجلس سياسي.
وليس رئيسًا لدولة جنوبية قائمة.
وهنا تبدأ الحكاية الغريبة: كيف انتقلنا من رئيس مجلس إلى رئيس دولة؟ بمؤتمر؟ بصندوق انتخاب؟ بدستور؟ باعتراف دولي؟ أم بمجرد أن طُبعت صورته بحجم أكبر؟!.
إذا كانت الصورة تكفي لصناعة الدول، فربما علينا أن نغلق كتب القانون الدولي ونفتح محلات الطباعة!.
لكن المصيبة لا تتوقف هنا.
فبعض أصحاب هذه الرواية يريدون أن يأخذوا من التاريخ مؤسسات وجيوشًا وأعلامًا، ثم يضعوا عليها أسماء أشخاص ظهروا بعد ذلك بعقود.
وهنا السؤال الذي لا يحتاج إلى مؤرخ: أين كان عيدروس الزبيدي عندما تأسست تلك المؤسسات؟ كان طفلًا. نعم… طفلًا في الرابعة من عمره.
فكيف يصبح الطفل الذي لم يكن حاضرًا في تأسيس المؤسسة، لاحقًا عنوانًا لتاريخها؟
هل كبر التاريخ معه؟
أم أن التاريخ أُعيدت كتابته من أجله؟!
والأكثر إثارة للسخرية أن البعض يتحدث عن تاريخ الجنوب وكأنه كتلة واحدة يمكن قصّها ولصقها حسب الحاجة.
مرة «الجنوب العربي».
ومرة تاريخ الدولة التي قامت بعد الاستقلال.
ومرة الجيش.
ومرة المجلس الانتقالي.
ثم نضع صورة واحدة فوق كل ذلك ونقول: هذا هو الرئيس!.
يا جماعة.. اهدأوا قليلًا.
التاريخ ليس «فوتوشوب».
لا تستطيع أن تجمع خمس مراحل تاريخية مختلفة، وتضع فوقها صورة رجل واحد، ثم تطلب من الناس أن يصدقوا أن الصورة هي الحقيقة.
كانت هناك كيانات سياسية بأسماء محددة.
وكانت هناك دولة عُرفت باسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وكانت هناك مؤسسات ورجال وأجيال صنعت تاريخها.
وكان اتحاد الجنوب العربي كيانًا مختلفًا انتهى مع الاستقلال.
فلماذا هذا الخلط المتعمد؟.
لماذا نخلط أسماء الدول، ونخلط الأزمنة، ونخلط المؤسسات، ثم نطلب من المواطن البسيط أن يصدق الرواية الجديدة دون سؤال؟.
لأن البسيط إذا صدّق، أصبح الهتاف حقيقة؟!.
لا.. البسطاء ليسوا أغبياء.
لكنهم يُخدعون عندما تُقدَّم لهم الرواية ناقصة، وتُكرر أمامهم ألف مرة حتى تبدو وكأنها حقيقة.
وهنا تأتي مهمتنا: أن نسأل. أن نذكّر. أن نقول إن التاريخ ليس ملكًا للحاضر.
وأن الذين صنعوا المؤسسات العسكرية والسياسية في الجنوب لهم أسماء وتاريخ وتضحيات، ولا يجوز اختزال كل ذلك في صورة شخص لم يكن موجودًا عندما بدأت تلك المرحلة.
والعلم أيضًا له قصة.
العلم لا يصبح «علم الجنوب العربي» لمجرد أن أحدهم قرر تسميته كذلك اليوم.
الأعلام لها دول وتواريخ وسياقات.
والدول لها أسماء.
والأزمنة لها ترتيب.
والتاريخ لا يقبل «التعديل حسب الطلب».
لذلك، قبل أن تقولوا: «رئيس الجنوب»
اسألوا أنفسكم أولًا: أين الجنوب الذي يرأسه؟ ما اسم دولته؟ أين مؤسساتها؟ أين دستورها؟ أين شرعيتها؟ من انتخبه؟ ومن اعترف به رئيسًا؟.
وإذا لم تكن لديكم إجابة فلا بأس.
قولوا الحقيقة ببساطة: إنها صورة لرجل يهتف له أنصاره.
وهذا حقهم.
لكن لا تحولوا الهتاف إلى دولة.
ولا الصورة إلى شرعية.
ولا المجلس إلى دولة.
ولا الحلم إلى تاريخ.
ولا التاريخ إلى لعبة سياسية.
وكفى ضحكًا على عقول البسطاء.
فمن يريد أن يستعيد الماضي، فليستعده كاملًا.
لا أن يسرق منه ما يناسبه، ويدفن ما لا يناسبه.
ومن يريد دولة، فليقدم مشروع دولة.
ومن يريد رئيسًا، فليقدم دولة أولًا.
أما أن تقدموا لنا رئيسًا بلا دولة.
فهذه ليست دولة.
هذه صورة تبحث عن دولة.
وفي النهاية: التاريخ أقدم من الأشخاص.
والدول أقدم من المجالس.
والمؤسسات أقدم من الشعارات.
والعلم لا يغيّر ماضيه لأن منشورًا غيّر اسمه.
أما الهتاف.. فقد يملأ الساحات ضجيجًا.
لكنه لا يستطيع أن يملأ فراغ الحقيقة.
استفيقوا من الغيبوبة.
فالتاريخ لم ينم.
نحن فقط نحتاج أن نفتح عيوننا ونقرأه كما حدث، لا كما يريدون لنا أن نراه.
أما الهتاف، فينتهي بانتهاء الصوت.