الأربعاء, 02 سبتمبر 2026
130
حين يُحجب الحق عن صاحبه، ويشعر الإنسان أن صوته لا يجد طريقه إلى من ينصفه، يبقى باب واحد لا يُغلق أمام المظلوم؛ باب الله سبحانه وتعالى، الذي لا تضيع عنده الحقوق، ولا يُظلم عنده أحد.
وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذه الحقيقة ونحن ننظر إلى واقع اليمن، وما يمر به أبناؤه في المحافظات من ظروف صعبة وأزمات متراكمة، أثقلت كاهل المواطن وأرهقت الأسر، وجعلت كثيرًا من الناس يعيشون بين القلق على حاضرهم والخوف على مستقبل أبنائهم.
وفي جنوب اليمن أو المدن المحررة، كما في بقية المناطق، لا يطلب المواطن المستحيل؛ يريد أمنًا واستقرارًا، وخدمات تحفظ كرامته، وفرصة للعمل والحياة، ودولة يشعر فيها أن حقوقه مصانة وأن صوته مسموع.
لكن تعقيدات الواقع السياسي وتداخل المصالح وتعدد الأطراف جعلت المواطن في كثير من الأحيان بعيدًا عن تفاصيل المشهد، بينما يبقى هو أول من يتأثر بنتائجه، ويدفع ثمن الأزمات من أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه.
إن الاختلاف في الرؤى والمواقف أمر طبيعي، والسياسة بطبيعتها تقوم على تعدد الاجتهادات والمصالح، لكن ما ينبغي أن يبقى فوق كل الحسابات هو الإنسان والوطن الجريح.
فلا ينبغي أن تتحول معاناة الناس إلى وسيلة في الصراع، ولا أن يصبح الفقر مدخلًا لاستغلال حاجتهم، ولا أن يكون الانقسام سببًا في إطالة أمد الأزمات بحسب ما يريد الآخرون.
اليمن بحاجة إلى أن يتقدم فيه صوت الحكمة على صوت الخصومة، وأن تكون مصلحة المواطن حاضرة في كل قرار، وأن تتجه الجهود نحو مخافة الله والبناء والاستقرار وتحسين حياة الناس، بعيدًا عن لغة التخوين والكراهية والاتهامات المتبادلة وزرع وإدارة الفتن والكراهية.
فخلف كل رقم في تقارير الأزمات إنسان، وخلف كل أسرة تعاني أبًا يبحث عن مصدر رزق، وأمًا تخشى على أبنائها، وشابًا ينتظر فرصة، ومريضًا يحتاج إلى العلاج، وطفلًا يستحق أن يعيش طفولة آمنة، وأسرة شهيد تتوجع، ومستقبلًا أفضل لكل إنسان.
وقد تختلف الحسابات السياسية، وتتغير المواقف والتحالفات، لكن الشعوب تبقى هي الوطن، وكرامتها يجب أن تكون الهدف الذي لا يختلف عليه اثنان.
والعدل هو أساس الاستقرار، والظلم لا يمكن أن يكون طريقًا لبناء الأوطان. وقد يستطيع من كان.. أن يفرض بقواته رأيًا أو موقفًا لفترة من الزمن، لكنه لا يستطيع أن يحجب الحقيقة عن مظالم ومعاناة عن الله سبحانه وتعالى.
فقاضي الحاكم في الأرض قد يخطئ، وقد تتأثر أحكامه بضعف الإنسان وظروفه، أما عدالة السماء فلا تعرف المحاباة ولا النفوذ.
ولهذا فإن الرسالة ليست موجهة إلى طرف بعينه، وإنما هي تذكير للجميع.. اتقوا الله في الناس، واحفظوا كرامتهم في بلدهم، واجعلوا الوطن فوق الخلافات، والمصلحة العامة فوق المصالح الضيقة.
إن اليمن والجنوب لا يحتاجان إلى مزيد من الخصومات، بقدر ما يحتاجان إلى التفاهم، وإلى مؤسسات عادلة، وإلى دولة تحفظ الحقوق، وإلى إرادة صادقة تضع الإنسان في مقدمة الأولويات.
وفي النهاية، قد تتغير موازين السياسة، وقد يربح طرف بقوته جولة ويخسر آخر مع الأيام، لكن هناك ميزانًا لا يميل، ومحكمة لا تُغلق أبوابها، وعدالة لا يضيع أمامها حق ضائع.
فحين يميل ميزان الأرض، يبقى ميزان السماء مستقيمًا، ولا يضيع عند الله حق مظلوم..!