​قد تكون المفارقة التاريخية أن أصعب قرار واجهته المملكة في اليمن ليس الدخول إليه عام 2015، وإنما قرار الخروج منه. فهذا لن يكون مجرد انسحاب عسكري أو إنهاء لعملية بدأت قبل أكثر من عقد، وإنما قد يكون تحولاً تاريخياً في علاقة المملكة بالملف اليمني، بعد عقود طويلة كانت خلالها الرياض أكثر الفاعلين الخارجيين تأثيراً في معادلاته السياسية والأمنية.

بعد أكثر من أحد عشر عاماً على انطلاق عاصفة الحزم، يبدو المشهد اليمني أبعد ما يكون عن الصورة التي رُسمت في بدايتها. تغيرت الأهداف، وتفككت التحالفات، وتبدلت قيادة الشرعية، وأعيد تشكيل موازين القوى غير مرة، فيما انتقل أنصار الله من قوة محاصرة في الجبال إلى سلطة أمر واقع في معظم الشمال، تمتلك قدرات صاروخية ومسيّرة، ونفوذاً عسكرياً وسياسياً متنامياً.

وهنا تكمن المفارقة، فقد بدأت الحرب بهدف تغيير ميزان القوى داخل اليمن، لكنها انتهت، بعد أكثر من عقد، إلى جعل قدرات أنصار الله نفسها جزءاً فاعلاً في ميزان القوى الإقليمي.

وما يجري أخيراً في الساحل الغربي وباب المندب إلا انعكاس طبيعي لتنامي هذه القدرات، وهو مشهد يتجاوز حسابات الأرض والمساحة إلى قيمة الجغرافيا نفسها. فهذه المنطقة تمثل واحدة من أعقد نقاط التماس في صراع الممرات والتجارة والطاقة، وهو ما يجعل أي تحول فيها أكبر من مجرد تقدم ميداني.

وسبق ذلك تحول كبير في الجنوب، بعد الضربات التي تعرضت لها القوات الجنوبية في حضرموت، وما تبعها من إعادة توزيع للقوة بين تشكيلات عسكرية وسياسية متعددة، تختلف في مشاريعها ومرجعياتها وتحالفاتها.

وهنا يبرز السؤال الأصعب، ماذا لو انسحبت المملكة؟

كل تدخل طويل يصل في النهاية إلى لحظة يعاد فيها حساب ثمن البقاء مقابل ثمن الخروج. ولذلك، فالسؤال ليس ما إذا كانت المملكة ستبقى في اليمن بشكل دائم، وإنما كيف ستخرج، ومتى، وما الذي ستتركه خلفها؟

الاحتمالات تبدو محصورة بين خروج منظم، عبر تسوية سياسية توفر ضمانات أمنية للمملكة وتعيد ترتيب موازين القوى، وبين خروج اضطراري تفرضه تطورات عسكرية وإقليمية متسارعة، بصورة قد تستدعي المقارنة، من حيث المشهد لا الظروف، بالانسحاب الأميركي من أفغانستان.

لكن المشكلة الأخطر ليست في الانسحاب ذاته، بل في اليوم التالي له. فالمملكة تمثل مظلة خارجية تنضوي تحتها قوى وتشكيلات لا يجمع بينها مشروع سياسي وعسكري واحد. وإذا غاب هذا المركز فجأة، فقد تبرز مفارقة شديدة الخطورة، شمال أكثر مركزية وتماسكاً في قراره العسكري والسياسي، في مقابل جنوب أكثر تعدداً وتنافساً، خصوصاً بعد إضعاف المجلس الانتقالي الذي كان يمثل ضمانة لملء الفراغ والحفاظ على قدر من التوازن والاستقرار.

ومن هنا قد تجد مناطق الجنوب نفسها أمام خيارات صعبة. فقد يتجه أنصار الله إلى التفاوض من موقع قوة، أو إلى ممارسة مزيد من الضغط العسكري والتوسع، إذا اعتقدوا أن خصومهم فقدوا التنسيق و الغطاء الخارجي.

لكن التحدي الأهم قد لا يكون في احتمال اندلاع مواجهة مباشرة، بقدر ما يتعلق بكيفية إدارة الفراغ الذي قد يرافق خروجاً سعودياً سريعاً. فهشاشة "السلطة الشرعية" قد تفتح المجال أمام إعادة ترتيب موازين القوى، وتسعى القوات الجنوبية والمقاومة بتشكيلاتها المختلفة، إلى جانب قوى أخرى، إلى توسيع حضورها وملء المساحات التي قد تنشأ عن هذا التحول. وفي حال دخول قوى أو جماعات من خارج الحدود على خط المشهد، فقد يصبح الجنوب أمام مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها المصالح المحلية والإقليمية، الأمر الذي يجعل وجود ترتيبات سياسية وأمنية واضحة أمراً مهماً للحفاظ على قدر من الاستقرار ومنع الفراغ من التحول إلى صراع مفتوح.

ولهذا، لا ينبغي انتظار الظروف أو القرار السعودي لمعرفة ما الذي يجب فعله، بل التفكير منذ الآن في جنوب قادر على الصمود من دون مظلة خارجية. فالسياسة الناضجة لا تبني مستقبلها على معطيات اللحظة، كما أنه ليس مطلوباً أن يتفق الجنوبيون على كل شيء، وإنما أن يتفقوا على ألا يتحول اختلافهم إلى الباب الذي تدخل منه الكوارث.