تتصاعد المخاوف من اقتراب اندلاع مواجهة عسكرية أمريكية إيرانية جديدة، وسط حديث عن سيناريوهات تستهدف المنشآت العسكرية والنووية والاقتصادية الإيرانية، سعيًا لفرض تسوية بشروط أمريكية. وتثير هذه الاحتمالات تساؤلات حول قدرة واشنطن على حسم المواجهة سريعًا، وطبيعة الرد الإيراني، وحجم المخاطر التي قد تتحملها دول الخليج.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في احتمال انتقال الحرب إلى أراضي دول الخليج، رغم عدم مشاركتها في قرار اندلاعها. فالقواعد العسكرية الأمريكية في قطر والبحرين والكويت والإمارات والسعودية سوف تصبح أهدافًا للرد الإيراني، إضافة إلى المنشآت المدنية والاقتصادية الحيوية.

ورغم تباين بعض الحسابات الاستراتيجية لدول الخليج، تبعًا لطبيعة اقتصاداتها وطموحاتها الإقليمية، فإن الحرب المحتملة تضعها جميعًا داخل مركب واحد وفي بيئة عاصفة.

فقد تكون الخسائر التي تواجهها دول الخليج في حال اندلاع حرب أمريكية إيرانية واسعة أكبر بكثير من الأضرار العسكرية المباشرة، إذ إن تدمير المنشآت وتعطل الإنتاج يمثلان جانبًا من الكلفة، بينما تمتد التداعيات الأعمق إلى الإيرادات السيادية والاستثمارات والتجارة والاستقرار المالي، وربما إلى مستقبل النماذج الاقتصادية التي بنتها دول المنطقة خلال عقود.

فالسعودية، بما تمتلكه من طاقات إنتاجية نفطية ومنشآت تصدير استراتيجية، قد تتعرض لخسائر جسيمة إذا طالت الضربات بنيتها النفطية، ليس فقط بسبب كلفة الأضرار وتوقف الإنتاج، وإنما أيضًا نتيجة فقدان الإيرادات وارتفاع النفقات الدفاعية واحتمال تعطيل مشروعات رؤية 2030. وقد تتحول الحرب الممتدة إلى عبء مالي وتنموي يؤخر بعض أهداف التحول الاقتصادي لسنوات.

وتواجه الإمارات مخاطر تتجاوز الطاقة، بحكم موقعها مركزًا للتجارة والخدمات المالية والطيران والموانئ، حيث قد يؤدي اضطراب الملاحة وحركة رؤوس الأموال إلى تهديد قطاعات اقتصادية مترابطة بما يمس إحدى أهم ركائز النموذج الاقتصادي الإماراتي.

أما قطر، فإن تركز جزء كبير من ثروتها التصديرية في صناعة الغاز الطبيعي المسال يجعل أي ضرر يصيب منشآت الإنتاج والتسييل أو طرق الشحن تهديدًا بالغ الحساسية. وقد تتجاوز الخسائر توقف الصادرات إلى اضطراب العقود طويلة الأجل ومكانتها في أسواق الغاز العالمية، فضلاً عن المخاطر الأمنية المرتبطة بوجود قاعدة العديد الأمريكية.

وتواجه الكويت احتمال خسائر ثقيلة في قطاع النفط، الذي يشكل الركيزة الأساسية لإيراداتها العامة. فأي تعطيل للإنتاج أو التصدير سينعكس على المالية الحكومية، بينما تضيف الجغرافيا القريبة من إيران والوجود العسكري الأمريكي مخاطر أمنية تترافق مع اضطراب الواردات والتجارة.

وفي البحرين، تتداخل مخاطر استهداف المنشآت العسكرية، بحكم استضافة الأسطول الخامس الأمريكي، مع هشاشة نسبية أمام الصدمات الاقتصادية، والبيئة الديموغرافية للدولة.

ولا تبدو سلطنة عُمان بمنأى عن هذه التداعيات، رغم امتلاكها منافذ بحرية خارج مضيق هرمز وعلاقات مستقرة مع إيران. فاضطراب الملاحة الإقليمية وارتفاع تكاليف التأمين وتراجع التجارة والسياحة سوف يفرض خسائر اقتصادية ملموسة، حتى دون تعرض منشآتها لضربات مباشرة.

وهكذا، فإن الخطر لا يكمن في حجم الدمار الذي قد تخلفه الحرب وحده، وإنما في الخسائر الاقتصادية المتراكمة التي قد تستمر بعد توقفها.

الا أن الاختبار الاستراتيجي الأخطر قد يبدأ بعد توقف العمليات العسكرية. فبقاء النظام الإيراني بقدرات عسكرية مؤثرة قد يفرض واقعًا أمنيًا أكثر تعقيدًا، بينما قد يؤدي انهياره أو تفكك مؤسساته إلى فراغ أمني واضطرابات إقليمية.

في المحصلة، يتجاوز الاختبار الخليجي مخاطر الحرب المباشرة إلى حماية الأمن والاقتصاد والاستعداد لتحولات موازين القوى. فالتداعيات المحتملة قد تطال أسس الاستقرار والتنمية والترتيبات الأمنية التي قامت عليها المنطقة خلال العقود الماضية.