هناك أزمة فكرية وسياسية عميقة يعيشها جزء من اليسار العربي، وتمتد إلى قطاعات من الحركة الإسلامية والقومية والتقدمية، في موقفها مما يجري في اليمن، وتحديدًا اصطفافها مع ميليشيات الحوثي. وقد كشفت الهجمات الأخيرة على قرى تعز، واستمرار حصار المدينة منذ عام 2015، حجم التناقض بين الشعارات التي ترفعها هذه التيارات والمواقف التي تتبناها على الأرض.
تقوم هذه الإشكالية على معادلة شديدة الاختزال: من يقترب من إيران فهو ثوري، ومن يقف ضمن محور طهران فهو بالضرورة مع فلسطين وضد إسرائيل. وكأن العلاقة بإيران أصبحت معيارًا لتقدمية الإنسان وصدقية انتمائه للقضية الفلسطينية، لا طبيعة مشروعه السياسي وموقفه من الحرية والعدالة وحقوق الشعوب.
وهنا تكمن واحدة من أخطر عمليات اختطاف القضية الفلسطينية؛ حين تتحول فلسطين من قضية تحرر وطني وإنساني إلى بطاقة اعتماد أيديولوجية تمنحها طهران لمن يصطف معها، وتحجبها عمن يختلف معها، حتى لو كان صاحب موقف تاريخي ثابت في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
إن احتكار راية فلسطين لم يخدم وحدة الموقف العربي، بل عمّق انقسامه وفكك قواه الوطنية. والمفارقة أن التمدد الإيراني عبر الميليشيات والانقسامات المذهبية أسهم في إنتاج بيئة إقليمية متشظية، استفادت منها إسرائيل في توسيع نفوذها وتقديم نفسها لاعبًا أمنيًا وسياسيًا في المنطقة، بصرف النظر عن النيات والشعارات المعلنة.
لقد أسهم البريق الإعلامي لحزب الله، وما ارتبط به من صورة المقاومة في جنوب لبنان، في حجب أسئلة جوهرية عن احتكار القرار والسلاح وتراجع دور القوى الوطنية اللبنانية. لكن انتقال هذا الاصطفاف إلى الدفاع عن ميليشيات الحوثي في اليمن يجعل التناقض أكثر انكشافًا.
ففي تعز، لا يواجه الحوثيون قوة أجنبية كما تحاول بعض السرديات تصوير الأمر، وإنما يواجهون قوى يمنية وطنية متعددة المشارب، قومية ويسارية وإسلامية وجمهورية، لها تاريخ طويل في رفض الاحتلال الإسرائيلي والتضامن مع فلسطين.
وتعز، بتاريخها الجمهوري والمدني والثقافي، تمثل نموذجًا للتنوع السياسي والاجتماعي اليمني. وتبعد عن منبت ميليشيا الحوثي أكثر من سبعمائة كيلومتر جنوبًا، عكس «طرق القدس أو مكة!».
فما الذي يجعل استهداف هذه المحافظة وحصار مركز مدينتها أمرًا قابلًا للتبرير لدى من يرفعون شعارات التحرر ومقاومة الاستبداد؟
والسؤال الذي ينبغي أن يواجه به اليساريون والتقدميون والقوميون أنفسهم: ما طبيعة المشروع الذي يدافعون عنه؟ هل هي قيم الحداثة والديمقراطية والمساواة؟
وما موقف الحوثيين من هذه القيم، ومن الديمقراطية والدولة المدنية والتعددية وحقوق المرأة والمساواة والحريات العامة؟ وهل يمكن التوفيق بين هذه القيم ومشروع يحصر الحق في الحكم بسلالة بعينها، ويقدم القيادة باعتبارها صاحبة حق ديني فوق المساءلة، ويرفض التداول السلمي للسلطة والقبول بالآخر؟
هذه ليست أسئلة هامشية، بل جوهر الاختبار لأي مشروع يدّعي التقدمية والتحرر. فليس من المنطقي أن يدافع الإنسان عن الديمقراطية في مكان، ويتغاضى عن مصادرتها في مكان آخر، أو يرفض العنصرية والإقصاء، ثم يتسامح معهما حين يصدران عن حليف يرفع شعارًا مجردًا عن مقاومة إسرائيل.
إن أدبيات الحوثيين وخطابات قياداتهم وممارساتهم تكشف رؤية تقوم على تصنيف الآخرين وفق الولاء والاصطفاف، واتهام المخالفين بالخيانة والعمالة، بل والتكفير المستمر (وهو يستعير من طالبان لفظ «مجاهد» لكل عنصر حوثي، ولفظ «كافر» لبقية العالم).
كما تتناقض هذه الرؤية مع المساواة السياسية والتعددية الديمقراطية وحقوق المرأة والحريات، وهي قيم لا تستقيم مع مشروع يقوم على الامتياز السلالي واحتكار السلطة.
وعلى المدافعين عن هذا المسار أن يكونوا أكثر صدقًا مع أنفسهم؛ فلا يجوز ادعاء الانتماء إلى الحداثة والديمقراطية والفكر التقدمي، مع الدفاع عن مشروع يناقض هذه القيم.
المعيار لا يتغير بتغير الحليف، ولا تصبح مصادرة الحريات ثورة، أو العنصرية مقاومة، لمجرد أن صاحبها يرفع شعارًا نتفق معه في جانب ونختلف معه في جوانب أخرى.
ولا يكفي إطلاق بعض الصواريخ باتجاه إسرائيل لمنح أي جماعة صك براءة سياسيًا وأخلاقيًا، أو إعفاءها من المساءلة عن تدمير المجتمع ومؤسساته.
فالسؤال ليس فقط ماذا أطلقت هذه الميليشيا باتجاه إسرائيل (وهو بالمناسبة غير ذي أثر)، بل ماذا فعلت بشعبها وبالدولة والقوى الوطنية التي تشاركها الأرض والوطن؟ وكيف يمكن اعتبار ضرب القوى اليمنية التي تحمل تاريخًا طويلًا من المواقف الوطنية المناهضة للكيان الإسرائيلي عملًا تحرريًا؟
وهل يمكن أن نؤيد تيارات نازية أو فاشية لمجرد أنها تتخذ موقفًا معاديًا لعدو نختلف معه؟ أو نؤيد تنظيمات مثل داعش مثلًا؟
إن رفض التطرف والإقصاء ينبغي ألا يتبدل وفق خريطة الاصطفاف الإقليمي، وإلا فقدنا المعايير الأخلاقية التي يفترض أن تحكم مواقفنا.
إن القضية الفلسطينية أكبر من إيران والحرس الثوري وحزب الله والحوثيين؛ ليست ملكًا لمحور أو دولة أو تنظيم، بل قضية شعب وحق تاريخي وعدالة إنسانية.
نحن مع فلسطين، ومع حق شعبها في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، لكننا بالقدر ذاته ضد الاستبداد والعنصرية والفاشية والمشاريع الميليشياوية التي تمزق المجتمعات وتختطف الدول.
إن أخطر ما أصاب الفكر التقدمي العربي ليس تراجع قدرته على الفعل فحسب، بل وقوع بعض أصواته في أسر شعبوية المحاور، حتى باتت تقيس تقدمية المواقف بمدى القرب من طهران، لا بمدى الالتزام بحرية الإنسان وكرامته.
وتبقى تعز اليوم امتحانًا حقيقيًا لهذه المراجعة؛ فليس مقبولًا أن نرى مدينة محاصرة وتُقصف بالصواريخ وقواها الوطنية مستهدفة، ثم نبحث عن مبررات للجلاد لأنه يدّعي نصرة فلسطين.
ففلسطين لا تحتاج إلى أن نتخلى عن الحرية في اليمن، ولا تنتصر قضيتها بإسكات الشعوب العربية وقهرها. ومن يريد تحرير فلسطين لا ينبغي أن يجعل من الاستبداد طريقًا إلى التحرر.
*صحيفة النهار اللبنانية
تقوم هذه الإشكالية على معادلة شديدة الاختزال: من يقترب من إيران فهو ثوري، ومن يقف ضمن محور طهران فهو بالضرورة مع فلسطين وضد إسرائيل. وكأن العلاقة بإيران أصبحت معيارًا لتقدمية الإنسان وصدقية انتمائه للقضية الفلسطينية، لا طبيعة مشروعه السياسي وموقفه من الحرية والعدالة وحقوق الشعوب.
وهنا تكمن واحدة من أخطر عمليات اختطاف القضية الفلسطينية؛ حين تتحول فلسطين من قضية تحرر وطني وإنساني إلى بطاقة اعتماد أيديولوجية تمنحها طهران لمن يصطف معها، وتحجبها عمن يختلف معها، حتى لو كان صاحب موقف تاريخي ثابت في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
إن احتكار راية فلسطين لم يخدم وحدة الموقف العربي، بل عمّق انقسامه وفكك قواه الوطنية. والمفارقة أن التمدد الإيراني عبر الميليشيات والانقسامات المذهبية أسهم في إنتاج بيئة إقليمية متشظية، استفادت منها إسرائيل في توسيع نفوذها وتقديم نفسها لاعبًا أمنيًا وسياسيًا في المنطقة، بصرف النظر عن النيات والشعارات المعلنة.
لقد أسهم البريق الإعلامي لحزب الله، وما ارتبط به من صورة المقاومة في جنوب لبنان، في حجب أسئلة جوهرية عن احتكار القرار والسلاح وتراجع دور القوى الوطنية اللبنانية. لكن انتقال هذا الاصطفاف إلى الدفاع عن ميليشيات الحوثي في اليمن يجعل التناقض أكثر انكشافًا.
ففي تعز، لا يواجه الحوثيون قوة أجنبية كما تحاول بعض السرديات تصوير الأمر، وإنما يواجهون قوى يمنية وطنية متعددة المشارب، قومية ويسارية وإسلامية وجمهورية، لها تاريخ طويل في رفض الاحتلال الإسرائيلي والتضامن مع فلسطين.
وتعز، بتاريخها الجمهوري والمدني والثقافي، تمثل نموذجًا للتنوع السياسي والاجتماعي اليمني. وتبعد عن منبت ميليشيا الحوثي أكثر من سبعمائة كيلومتر جنوبًا، عكس «طرق القدس أو مكة!».
فما الذي يجعل استهداف هذه المحافظة وحصار مركز مدينتها أمرًا قابلًا للتبرير لدى من يرفعون شعارات التحرر ومقاومة الاستبداد؟
والسؤال الذي ينبغي أن يواجه به اليساريون والتقدميون والقوميون أنفسهم: ما طبيعة المشروع الذي يدافعون عنه؟ هل هي قيم الحداثة والديمقراطية والمساواة؟
وما موقف الحوثيين من هذه القيم، ومن الديمقراطية والدولة المدنية والتعددية وحقوق المرأة والمساواة والحريات العامة؟ وهل يمكن التوفيق بين هذه القيم ومشروع يحصر الحق في الحكم بسلالة بعينها، ويقدم القيادة باعتبارها صاحبة حق ديني فوق المساءلة، ويرفض التداول السلمي للسلطة والقبول بالآخر؟
هذه ليست أسئلة هامشية، بل جوهر الاختبار لأي مشروع يدّعي التقدمية والتحرر. فليس من المنطقي أن يدافع الإنسان عن الديمقراطية في مكان، ويتغاضى عن مصادرتها في مكان آخر، أو يرفض العنصرية والإقصاء، ثم يتسامح معهما حين يصدران عن حليف يرفع شعارًا مجردًا عن مقاومة إسرائيل.
إن أدبيات الحوثيين وخطابات قياداتهم وممارساتهم تكشف رؤية تقوم على تصنيف الآخرين وفق الولاء والاصطفاف، واتهام المخالفين بالخيانة والعمالة، بل والتكفير المستمر (وهو يستعير من طالبان لفظ «مجاهد» لكل عنصر حوثي، ولفظ «كافر» لبقية العالم).
كما تتناقض هذه الرؤية مع المساواة السياسية والتعددية الديمقراطية وحقوق المرأة والحريات، وهي قيم لا تستقيم مع مشروع يقوم على الامتياز السلالي واحتكار السلطة.
وعلى المدافعين عن هذا المسار أن يكونوا أكثر صدقًا مع أنفسهم؛ فلا يجوز ادعاء الانتماء إلى الحداثة والديمقراطية والفكر التقدمي، مع الدفاع عن مشروع يناقض هذه القيم.
المعيار لا يتغير بتغير الحليف، ولا تصبح مصادرة الحريات ثورة، أو العنصرية مقاومة، لمجرد أن صاحبها يرفع شعارًا نتفق معه في جانب ونختلف معه في جوانب أخرى.
ولا يكفي إطلاق بعض الصواريخ باتجاه إسرائيل لمنح أي جماعة صك براءة سياسيًا وأخلاقيًا، أو إعفاءها من المساءلة عن تدمير المجتمع ومؤسساته.
فالسؤال ليس فقط ماذا أطلقت هذه الميليشيا باتجاه إسرائيل (وهو بالمناسبة غير ذي أثر)، بل ماذا فعلت بشعبها وبالدولة والقوى الوطنية التي تشاركها الأرض والوطن؟ وكيف يمكن اعتبار ضرب القوى اليمنية التي تحمل تاريخًا طويلًا من المواقف الوطنية المناهضة للكيان الإسرائيلي عملًا تحرريًا؟
وهل يمكن أن نؤيد تيارات نازية أو فاشية لمجرد أنها تتخذ موقفًا معاديًا لعدو نختلف معه؟ أو نؤيد تنظيمات مثل داعش مثلًا؟
إن رفض التطرف والإقصاء ينبغي ألا يتبدل وفق خريطة الاصطفاف الإقليمي، وإلا فقدنا المعايير الأخلاقية التي يفترض أن تحكم مواقفنا.
إن القضية الفلسطينية أكبر من إيران والحرس الثوري وحزب الله والحوثيين؛ ليست ملكًا لمحور أو دولة أو تنظيم، بل قضية شعب وحق تاريخي وعدالة إنسانية.
نحن مع فلسطين، ومع حق شعبها في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، لكننا بالقدر ذاته ضد الاستبداد والعنصرية والفاشية والمشاريع الميليشياوية التي تمزق المجتمعات وتختطف الدول.
إن أخطر ما أصاب الفكر التقدمي العربي ليس تراجع قدرته على الفعل فحسب، بل وقوع بعض أصواته في أسر شعبوية المحاور، حتى باتت تقيس تقدمية المواقف بمدى القرب من طهران، لا بمدى الالتزام بحرية الإنسان وكرامته.
وتبقى تعز اليوم امتحانًا حقيقيًا لهذه المراجعة؛ فليس مقبولًا أن نرى مدينة محاصرة وتُقصف بالصواريخ وقواها الوطنية مستهدفة، ثم نبحث عن مبررات للجلاد لأنه يدّعي نصرة فلسطين.
ففلسطين لا تحتاج إلى أن نتخلى عن الحرية في اليمن، ولا تنتصر قضيتها بإسكات الشعوب العربية وقهرها. ومن يريد تحرير فلسطين لا ينبغي أن يجعل من الاستبداد طريقًا إلى التحرر.
*صحيفة النهار اللبنانية
















