في الطب، تُعرف الغرغرينا بأنها موتٌ بطيءٌ لأنسجة الجسد بسبب انقطاع الدم عنها.
لكن في المؤسسات، هناك غرغرينا من نوعٍ آخر: إنها تعفّن الضمير المؤسسي حين يتوقف تدفق القيم والمبادئ في شرايين الإدارة.
تبدأ الغرغرينا الإدارية صغيرة، كجرحٍ مهمل أو بتعييناتٍ "شكلية" دون تدقيق في الوثائق والمستندات، أو مجاملةٍ في غير موضعها، أو من منطقة واحدة.
يتساهل المسؤول، ويتغاضى الموظف، ويصمت الشاهد، ثم ما تلبث أن تتحول إلى ثقافةٍ مريضةٍ تُبرّر الخطأ وتبرقع الفساد، وحينها يترسَّخ لدى "المدير" بأنه هو "الكل في الكل" وأنه الرجل الذي "لا يخطئ" أبدًا، وأنه وراءه مَنْ يحميه.
ومع مرور الوقت، يُصاب الكيان كلّه بالشلل الأخلاقي، فلا يعود يُميّز بين الأداء الحقيقي والتظاهر، بين الولاء الصادق والانتهازية.
وفي المستشفى، تبدأ الغرغرينا حين تتقدّم العمولة على حاجة المريض، وتُطلب فحوصٌ لا تقتضيها حالته، أو تُشترى أجهزةٌ لأن للمورّد صلةً بصاحب القرار، بينما تُهمَل احتياجاتٌ علاجية أساسية. وتتفاقم حين تُطمس الأخطاء لحماية السمعة، ويُعاقَب مَنْ يُبلّغ عنها، ويصبح رضا المدير أهمّ من سلامة المريض. عندها لا يقتصر المرض على سوء الإدارة؛ بل يُصيب رسالة المؤسسة في صميمها، فيتحوّل ألم الإنسان إلى فرصةٍ للكسب، وصمت العاملين إلى غطاءٍ لاستمرار الخلل.
وفي إدارات المشتريات والعقود، تبدأ الغرغرينا حين تُفصَّل شروط المناقصة على مقاس مورّدٍ بعينه، وتُستبعَد العروض الأكفأ بحججٍ مصطنعة، وتُمرَّر عقود المقاولات والصيانة والتأثيث بأسعارٍ متضخّمة مقابل منفعةٍ خفية. ثم يستفحل التعفّن حين يُوقَّع استلام أعمالٍ ناقصة، وتُعتمَد فواتير لخدماتٍ لم تُنفَّذ، ويُقصى الموظف الذي يرفض التوقيع. وهكذا تُستنزَف موارد المؤسسة مرتين: مرةً في دفع ثمن ما لا تستحقه، ومرةً في إصلاح ما كان ينبغي إنجازه من البداية، بينما يحتمي المستفيدون بأوراقٍ مكتملة وإجراءاتٍ تبدو سليمة.
فالمؤسسة التي تكتفي بالمسكنات الإدارية - من لجان شكلية وتقارير تجميلية - إنما تؤجل موتها لا أكثر.
أما المؤسسة التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالمرض واستئصاله، فهي التي تكتب لنفسها حياةً جديدة.
وحين يُصاب الضمير بالبرود، تصبح الحوكمة بلا معنى، واللوائح والقوانين بلا روح.
في النهاية، المؤسسات لا تموت فجأة، بل تموت حين يتوقف الدم الأخلاقي عن الجريان في عروقها.
لذلك، فإن الغرغرينا – أيًّا كان شكلها - لا تُعالج بالمجاملة، بل بالاستئصال.
لكن في المؤسسات، هناك غرغرينا من نوعٍ آخر: إنها تعفّن الضمير المؤسسي حين يتوقف تدفق القيم والمبادئ في شرايين الإدارة.
تبدأ الغرغرينا الإدارية صغيرة، كجرحٍ مهمل أو بتعييناتٍ "شكلية" دون تدقيق في الوثائق والمستندات، أو مجاملةٍ في غير موضعها، أو من منطقة واحدة.
يتساهل المسؤول، ويتغاضى الموظف، ويصمت الشاهد، ثم ما تلبث أن تتحول إلى ثقافةٍ مريضةٍ تُبرّر الخطأ وتبرقع الفساد، وحينها يترسَّخ لدى "المدير" بأنه هو "الكل في الكل" وأنه الرجل الذي "لا يخطئ" أبدًا، وأنه وراءه مَنْ يحميه.
ومع مرور الوقت، يُصاب الكيان كلّه بالشلل الأخلاقي، فلا يعود يُميّز بين الأداء الحقيقي والتظاهر، بين الولاء الصادق والانتهازية.
- عندما يُصاب الجسد المؤسسي بالتعفّن
وفي المستشفى، تبدأ الغرغرينا حين تتقدّم العمولة على حاجة المريض، وتُطلب فحوصٌ لا تقتضيها حالته، أو تُشترى أجهزةٌ لأن للمورّد صلةً بصاحب القرار، بينما تُهمَل احتياجاتٌ علاجية أساسية. وتتفاقم حين تُطمس الأخطاء لحماية السمعة، ويُعاقَب مَنْ يُبلّغ عنها، ويصبح رضا المدير أهمّ من سلامة المريض. عندها لا يقتصر المرض على سوء الإدارة؛ بل يُصيب رسالة المؤسسة في صميمها، فيتحوّل ألم الإنسان إلى فرصةٍ للكسب، وصمت العاملين إلى غطاءٍ لاستمرار الخلل.
وفي إدارات المشتريات والعقود، تبدأ الغرغرينا حين تُفصَّل شروط المناقصة على مقاس مورّدٍ بعينه، وتُستبعَد العروض الأكفأ بحججٍ مصطنعة، وتُمرَّر عقود المقاولات والصيانة والتأثيث بأسعارٍ متضخّمة مقابل منفعةٍ خفية. ثم يستفحل التعفّن حين يُوقَّع استلام أعمالٍ ناقصة، وتُعتمَد فواتير لخدماتٍ لم تُنفَّذ، ويُقصى الموظف الذي يرفض التوقيع. وهكذا تُستنزَف موارد المؤسسة مرتين: مرةً في دفع ثمن ما لا تستحقه، ومرةً في إصلاح ما كان ينبغي إنجازه من البداية، بينما يحتمي المستفيدون بأوراقٍ مكتملة وإجراءاتٍ تبدو سليمة.
- الاستئصال قبل أن يفنى الجسد
فالمؤسسة التي تكتفي بالمسكنات الإدارية - من لجان شكلية وتقارير تجميلية - إنما تؤجل موتها لا أكثر.
أما المؤسسة التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالمرض واستئصاله، فهي التي تكتب لنفسها حياةً جديدة.
- الضمير المؤسسي هو جهاز المناعة
وحين يُصاب الضمير بالبرود، تصبح الحوكمة بلا معنى، واللوائح والقوانين بلا روح.
في النهاية، المؤسسات لا تموت فجأة، بل تموت حين يتوقف الدم الأخلاقي عن الجريان في عروقها.
لذلك، فإن الغرغرينا – أيًّا كان شكلها - لا تُعالج بالمجاملة، بل بالاستئصال.
















