لم يكن القصف الصاروخي الذي استهدف معسكرًا تدريبيًا في مديرية قعطبة شمال الضالع، اليوم الأربعاء، مجرد حادثة أليمة أخرى في سجل الحرب اليمنية، بل جاء ليكرر مشهدًا مأساويًا شهده معسكر «العلم» في شبوة قبل أسابيع قليلة.
تكرار النموذج: من شبوة إلى الضالع
في التاسع عشر من أكتوبر الماضي، استهدفت صواريخ باليستية معسكر «العلم» في مديرية جردان بشبوة، الذي كان يضم مستجدين يتلقون التدريب للانضمام إلى القوات الأمنية، مخلفةً عشرات الشهداء والجرحى.
وبعد أقل من شهر، تكرر المشهد ذاته في الضالع، حيث استهدف قصف صاروخي معسكرًا تدريبيًا في منطقة العللة بقعطبة، وهو معسكر «أُنشئ حديثًا ضمن ترتيبات سعودية لتجميع وتدريب قوات جديدة».
خطأ تجميع الأفراد: حين يتحول التجنيد إلى استنزاف
تشير التقارير إلى أن المعسكر المستهدف في الضالع كان يضم مجندين جددًا، وأن عملية التجنيد نفسها قادها شخص قدم من المملكة التي هرب إليها عام 2015، ويُدعى عبد الواحد الدعام، أحد مشايخ منطقة الرضمة بمحافظة إب، «بتكليف سعودي»، وسط اتهامات بأن الهدف من هذه المعسكرات ليس تعزيز الجبهات بقدر ما هو «استنزاف أبناء المحافظة».
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فقد كشفت تقارير أخرى عن «توجيهات مؤخرًا بنقل أفراد جرى تسجيلهم حديثًا في اللواء 33 مدرع بالضالع إلى جبهة كهبوب، دون إخضاعهم لأي دورات تدريبية مسبقة».
الضالع: منطقة تماس لا منطقة حشد
تقع محافظة الضالع في قلب خطوط التماس بين الشمال والجنوب، وهي «نقطة تماس» ذات حساسية جغرافية فريدة.
وجبهاتها، الممتدة بين مريس والفاخر وقعطبة، ليست مسرحًا مفتوحًا للمناورة، بل خطوط دفاع ضيقة ومحصنة واجهت هجمات حوثية متوالية لسنوات.
وفي محافظة بهذه الخصائص، فإن إنشاء معسكرات تدريب وتجميع جديدة ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل مخالفة للبديهة العسكرية.
فمنطقة التماس تتطلب انتشارًا دفاعيًا مرنًا، لا تجميعًا كثيفًا للأفراد في نقاط ثابتة يسهل رصدها واستهدافها.
فائض القوات والهدف من اللواء الجديد
تضم الضالع بالفعل ألوية عسكرية متعددة، وتُعد من المحافظات التي «تُصدّر مقاتلين إلى الجبهات الأخرى».
فلماذا إذن الإصرار على تأسيس لواء جديد؟ الإجابة لا تتعلق بالضرورة العسكرية بقدر ما تتعلق بالحسابات السياسية.
فالمعسكرات الجديدة التي تُنشأ «ضمن ترتيبات سعودية» تهدف إلى تجميع قوات موالية للتحالف، وإعادة تشكيل الخريطة العسكرية للمحافظة بما يخدم أجندة الرياض، لا بما يخدم متطلبات الصمود الدفاعي.
وقد اتهمت نخب مقربة من المجلس الانتقالي «اللجنة الخاصة السعودية» بتعمد «تشكيل معسكرات جديدة وتجنيد أبناء المحافظة بهدف استنزافها».
الجمود العسكري ورفض الهجوم: حين تُتجاوَز قاعدة «أهل مكة أدرى بشعابها»
منذ سنوات، وجبهات الضالع صامدة في مواقعها، ولم تسجل أي اختراق حوثي.
وقد راكمت القيادات الميدانية خبرة قتالية دفاعية كبيرة، وهي ترى أن الأولوية يجب أن تظل في موقف الدفاع، وأن المطلوب هو «توفير مقومات الصمود في الدفاعات»، بدلًا من الانتقال إلى الهجوم.
وهنا يفرض نفسه مثل عربي قديم: «أهل مكة أدرى بشعابها».
فمن يحملون البندقية على خطوط التماس، ويعرفون تضاريس الجبال والوديان والمسالك الضيقة، ويدركون طبيعة الأرض والعدو، هم الأولى بالرأي في قرار يمس وجودهم ومصير جبهاتهم.
لكن المفارقة أن هذا المبدأ البديهي جرى تجاوزه في الضالع، إذ بدا أن قرار تحريك الجبهات يُصنع بعيدًا عن الميدان، ويتجاوز من في خنادق مريس والجب وباب غلق والفاخر وبتار وغيرها من مواقع الشرف.
فالتحالف يصر على تحريك هذه الجبهات، ليس لأنها تشكل «فارقًا في الحرب الدائرة منذ سنوات»، بل «لزجها في مستنقع استنزاف القوى البشرية والمخزون العسكري» لأطراف جنوبية بعينها، وفق ما نقلته مصادر مطلعة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف تم تجاوز مقولة «أهل مكة أدرى بشعابها» إلى هذا الحد؟ وكيف تُتخذ قرارات مصيرية في جبهات التماس دون الأخذ برأي القيادات الميدانية التي تتحمل تبعاتها الأولى؟
تكشف وقائع الضالع أن التجاوز لم يكن عفويًا، بل جاء عبر مسارات متعددة: مركزية القرار العسكري لدى التحالف وحلفائه، وتقديم الحسابات السياسية على التقديرات العسكرية الميدانية، وتهميش الخبرة القتالية المتراكمة، وربما تفسير رفض القيادات خوض معارك غير مبررة باعتباره «تعنتًا» أو «عدم انضباط»، بدلًا من اعتباره رأيًا عسكريًا يستند إلى معرفة دقيقة بطبيعة الأرض والعدو.
ويُضاف إلى هذه المسارات بُعد آخر لا يقل خطورة، يتعلق بإدارة العمليات المشتركة في المحافظة.
ففي الضالع توجد غرفة عمليات مشتركة تُحسب على المجلس الانتقالي، تدير مسرح العمليات منذ سنوات، ومنذ يناير الماضي رفض التحالف التعامل معها. وليس هذا فحسب، بل رفض الرأي القائل بتشكيل غرفة عمليات مشتركة وفقًا لمعطيات اليوم، بغض النظر عمن يتولى قيادتها.
فبدلًا من أن تكون غرفة العمليات أداة لتوحيد الجهود وتنسيق النيران وتبادل المعلومات بين مختلف التشكيلات المرابطة على خطوط التماس، تحولت إلى مساحة للصراع على النفوذ، حيث يُرفض أي ترتيب تنسيقي لا يضمن هيمنة طرف بعينه، حتى لو كان هذا الترتيب هو المطلب العسكري الأكثر بداهة في جبهة واحدة تواجه عدوًا مشتركًا.
وهكذا يُضاف عائق جديد أمام أي استجابة لتقديرات الميدان: فحتى لو أرادت القيادات الميدانية تنسيق جهودها، فإن غياب غرفة عمليات موحدة ومقبولة من جميع الأطراف يجعل أي قرار هجومي أو دفاعي مشترك رهينة للحسابات السياسية الضيقة، لا لمتطلبات الميدان.
وإلى جانب ذلك، تستند القيادات الميدانية في رفضها التحول من الدفاع إلى الهجوم إلى خلاصة تجربة ميدانية طويلة أثبتت أن المناطق التي تحررت من مليشيات الحوثي هي تلك المناطق التي قاومت من الداخل، وقاتل أهلها من أجل أرضهم، وكانت رغبة أبنائها في تحرير مناطقهم واستعدادهم للتضحية من أهم عوامل الانتصار، وكانت أكثر استقرارًا ورسوخًا. بينما أثبتت التجارب التي جرت فيها محاولات «تحرير» المناطق من خارجها فشلها، إذ سرعان ما انهارت تلك المناطق أو عادت إلى يد المليشيا؛ لأن أهلها لا يرغبون في ذلك، وليس لديهم الاستعداد للتضحية، فضلًا عن أنها لم تستند إلى بيئة محلية حاضنة، ولم تكن الأرض وأهلها طرفًا في المعركة.
وهذه الخلاصة ليست تنظيرًا، بل حصيلة سنوات من التجربة في جبهات متعددة، وهي تعزز قناعة القيادات الميدانية بأن أي انتقال إلى الهجوم في الضالع، إذا لم يكن مدعومًا بحاضنة شعبية وقبلية حقيقية، سيكون تكرارًا لنموذج فاشل، وسيضع الجبهة أمام مخاطر لا تُحمد عقباها.
وبذلك تحولت قاعدة «أهل مكة أدرى بشعابها» من مبدأ عملي في إدارة الحرب إلى شعار يُتجاوز عند أول اختبار، مع أن تجاوزها لا يلغي حقيقة أن من يدفع الثمن هم أبناء الضالع أنفسهم، لا من يرسمون الخطط من بعيد.
وإذا كانت القيادات الميدانية ترفض الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، فليس ذلك جبنًا ولا ترددًا، بل وعيٌ بأن جبهات الضالع ليست مسرحًا للمناورة، وأن أي مغامرة عسكرية فيها قد تفتح ثغرات في خطوط صمدت لسنوات، وقد تمس الطريق الدولي الذي يربط الشمال بالجنوب، ويُعد شريانًا إنسانيًا واقتصاديًا لملايين اليمنيين الواقعين في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي.
ومن ثم، فإن تجاهل رأي المعنيين في جبهات التماس، ورفض أي ترتيب تنسيقي مشترك بغض النظر عن قيادته، ليس مجرد خطأ في تقدير الموقف، بل مخالفة لقاعدة عسكرية بديهية: أن من يعرف الأرض هو من يدافع عنها، وأن القرار الذي لا يستند إلى الميدان يظل قرارًا مكلفًا، حتى لو صدر من أعلى المستويات.
الطريق الدولي: حسابات إنسانية تتجاوز الجغرافيا
وهنا يبرز بُعد آخر لا يقل خطورة عن البُعد العسكري، إذ تُشكّل الضالع الطريق الوحيد الذي يربط بين الشمال والجنوب، والطريق الدولي الذي تمر عبره القاطرات الخارجة من ميناء عدن والمحملة بالمواد الغذائية وغيرها إلى وجهاتها في الشمال.
وأكثر من ذلك، فإن هذا الطريق هو المنفذ البري الوحيد الذي يتيح للمواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين السفر إلى الخارج، وعلى وجه الخصوص للمغتربين في المملكة العربية السعودية، وأداء مناسك العمرة.
ومن ثم، فإن أي تحول من الدفاع إلى الهجوم في هذه الجبهة، كما يصر عليه التحالف، قد يؤدي إلى قطع هذا الطريق الحيوي، وهو ما سيُفهم بالضرورة على أنه حصار شامل، ويُستغل من قبل الطرف الآخر لدى المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان.
فالقيادات الميدانية، إذ ترفض الانتقال إلى الهجوم، لا تدافع عن موقع عسكري فحسب، بل تحمي شريانًا إنسانيًا واقتصاديًا يربط ملايين اليمنيين بالعالم الخارجي، وتدرك أن أي مغامرة عسكرية في هذه الجغرافيا الحساسة ستكون لها تبعات كارثية تتجاوز حدود المحافظة.
التحالف والقيادات الميدانية: صراع القرار
يكشف هذا المشهد عن أزمة ثقة عميقة بين التحالف العربي بقيادة السعودية والقيادات الميدانية في الضالع.
ففي أغسطس الماضي، دفع التحالف بعضو مجلس القيادة الرئاسي، أبو زرعة المحرمي، للضغط على قادة الفصائل «لتحريضهم على التصعيد الميداني»، بعد أن اصطدم قائد المنطقة العسكرية الرابعة، حمدي شكري، بـ«رفض القيادات والضباط خوض معارك لصالح الرياض».
هذا التباين ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل صراع على من يملك حق اتخاذ القرار: هل هو التحالف الذي ينظر إلى الجبهات كأوراق ضغط تفاوضية، أم القيادات الميدانية التي تتحمل تبعات القرارات وتدفع ثمنها من دماء أبنائها؟
ما جرى في الضالع ليس حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية التي يدفع ثمنها المجندون والمدنيون.
فتكرار مأساة شبوة كان من الممكن تجنبه لو أُعيد النظر في سياسة تجميع الأفراد في معسكرات مكشوفة.
وتأسيس لواء جديد في محافظة تعاني فائضًا في القوات يثير الشكوك حول الأهداف الحقيقية.
ورفض القيادات الميدانية الانتقال من الدفاع إلى الهجوم ليس جبنًا، بل وعيٌ بأن الأولوية يجب أن تكون لحماية الأرض والناس، لا لخدمة حسابات سياسية خارجية.
وإذا كان هناك درس واحد يجب أن يُستخلص من هذه المأساة، فهو أن القرار العسكري، في أي جبهة، يجب أن يظل بيد من يحملون البندقية على الأرض، لا بيد من يرسمون الخرائط من بعيد.


















