أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:00 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​وطن القلوب حين تتساوى كرامة الجميع..!!

    إلهام محمد زارعي




     لطالما تساءلتُ: هل الوطن هو الأرض التي نولد عليها، أم القلوب التي نجد فيها مكانًا لا يضيق بنا؟ وهل يصبح الإنسان غريبًا حين يغادر بلاده، أم حين يعيش بين أهله ولا يجد من يعترف بحقه في الانتماء؟
    في اليمن، حيث كانت الأبواب تعرف أصحاب الحاجات قبل أن يطرقوها، وحيث تمتد مائدة الجار إلى جاره، وحيث تتقاسم الأسر القليل حتى لا ينام أحد وحيدًا في محنته، نشأت ثقافة إنسانية أصيلة جعلت من التكافل وطنًا صغيرًا داخل الوطن الكبير. فحين تفتح امرأة بيتها لأسرة نازحة، أو يحمل شاب الماء لجارته المسنّة، أو تجمع معلمة أطفال الحي لتعوضهم عما فاتهم من تعليم، فإن هؤلاء لا يقدمون مساعدة عابرة، بل يعيدون بناء جسور الانتماء بين القلوب.

    لكن ثمة سؤالًا أعمق يستحق أن نطرحه على أنفسنا: هل يكفي أن نكون مجتمعًا كريمًا حتى نكون وطنًا عادلًا؟
    فالمواطنة الحقيقية ليست أن نحب من يشبهوننا، أو نساعد من ينتمون إلى جماعتنا، بل أن نعترف لكل إنسان بالكرامة ذاتها، وبحقوق وفرص متساوية، مهما اختلف دينه أو مذهبه أو منطقته أو نسبه أو وضعه الاجتماعي، وأن يشعر كل يمني بأنه ليس ضيفًا على وطنه، ولا محتاجًا إلى إذن من أحد كي يكون شريكًا كامل الحقوق والواجبات فيه.

    فالمحبة تفتح القلوب، لكن العدالة تمنع إغلاق الأبواب. والتكافل يخفف المعاناة، أما المواطنة المتساوية فتحمي الإنسان من أن تصبح كرامته مرهونة بإحسان الآخرين. فليس أعظم إنجاز أن نعلّم الإنسان كيف يتحمّل حياة قاسية، بل أن نبني مجتمعًا لا يحتاج فيه إلى كل هذه البطولة كي يعيش حياة عادية كريمة.

    ولعل أقوى أساس لهذا البناء هو الدرس الذي نقدمه لأطفالنا حين يرون أمًّا تقسم خبزها مع جارتها، وأبًا يحترم من يختلف معه، وأسرة تستقبل نازحًا دون أن تسأله عن مذهبه أو أصله.

    فالأطفال لا يتعلمون معنى الوطن من الخرائط وحدها، بل من الطريقة التي نعامل بها الآخرين. وحين نربي طفلًا على أن كرامة جاره من كرامته، وأن اختلاف الناس لا ينتقص من إنسانيتهم، فإننا نضع في قلبه أول حجر في بناء السلام والتماسك المجتمعي.
    إن اليمن لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما هدمته الحرب من منازل وطرقات، بل إلى إعادة إعمار الثقة، وترميم العلاقات، وتحرير مفهوم الانتماء من ضيق التصنيفات. فلا معنى لوطن تتسع أرضه للجميع بينما تضيق بعض القلوب بأبنائه، ولا معنى لوحدة وطنية لا يشعر في ظلها المختلف بالأمان والمساواة.

    ولعل أعظم تحول نحتاج إليه هو أن ننتقل من سؤال: «من أين أنت؟» إلى سؤال: «كيف نصنع معًا حياة تليق بنا جميعًا؟»، ومن الاعتزاز بكرمنا تجاه الآخر إلى الاعتراف بأن هذا الآخر ليس غريبًا نتفضل عليه، بل مواطن يشاركنا الوطن، له ما لنا من حقوق، وعليه ما علينا من واجبات.

    فالوطن الحقيقي ليس الذي يجمع الناس تحت سماء واحدة فحسب، بل الذي يمنحهم مكانة متساوية تحت هذه السماء.

    وإذا كان اليمنيون قد استطاعوا، رغم قسوة السنوات، أن يحفظوا في قلوبهم مساحات للمحبة والتراحم، فإن الأمل الأكبر أن تتحول هذه المحبة إلى ثقافة مواطنة حقيقية، يصبح فيها الاختلاف مصدر غنى، والتكافل مسؤولية مشتركة، والعدل حقًا أصيلًا للجميع، لا امتيازًا يمنحه بعضهم لبعض.

    فالأوطان لا تُقاس بمساحتها على الخرائط وحدها، بل بمقدار ما تتسع قلوب أبنائها لبعضهم، وبقدرتها على صون كرامة أضعف إنسان فيها.

    وحين يجد كل يمني في قلب أخيه وطنًا، وفي قانون بلاده عدلًا، وفي مجتمعه مكانًا لا ينتقص منه اختلافه، عندها لن نكون قد أعدنا بناء اليمن فحسب، بل سنكون قد أعدنا إليه روحه.
    ودمتم سالمين 🌹

المزيد من مقالات (إلهام محمد زارعي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال