توقفتُ عند عبارة لمحافظ حضرموت الاستاذ/ سالم أحمد سعيد الخنبشي، دعا فيها إلى «معالجة القضايا المجتمعية بالحوار والتفاهم». ولعل ما استوقفني ليس الدعوة إلى الحوار وحدها، بل كلمة المعالجة؛ فالقضايا المجتمعية، كالجراح، لا يكفي أن نغطيها حتى تلتئم، ولا أن نتجاهلها حتى تختفي، بل تحتاج إلى حكمةٍ تعرف موضع الألم، ورحمةٍ لا تزيده وجعًا.

تأملتُ طويلًا كيف أن كلمةً واحدة قد تهدم علاقةً بُنيت في سنوات، وكيف أن كلمةً أخرى قد تعيد قلبين فرّقتهما النزاع والجدال، وأدركتُ أن اللسان، على صغره، قد يكون جسرًا نعبر به إلى القلوب، أو سيفًا نقطع به حبال المودة.

إن الحوار ليس أن نتبادل الكلام، بل أن نتبادل الفهم؛ وليس أن نُثبت للآخر أنه مخطئ، بل أن نمنحه فرصةً لنفهم لماذا يرى ما لا نراه. فكم من خلافٍ لم يكن سببه اختلاف الحقيقة، بل اختلاف الزاوية التي نظرنا منها إليها.

وأعظم ما في التفاهم أنه لا يشترط أن نتفق في كل شيء؛ فقد نختلف في الرأي ونتحد في الحرص، وتتباعد أفكارنا وتبقى قلوبنا متقاربة. أما الانتصار الحقيقي، فليس أن يخرج أحدنا من الحوار غالبًا والآخر مكسورًا، بل أن نخرج منه وقد حفظنا كرامة بعضنا، ولو بقي الاختلاف.

ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات أن تتحول الخصومة فيها إلى ميراث، فيرث الأبناء عداواتٍ لم يشاركوا في صنعها، ويحمل الأطفال أحكامًا لم يبلغوا بعد سنّ فهمها. وهنا تبدأ مسؤولية الأسرة؛ فقبل أن نعلّم أبناءنا كيف يدافعون عن آرائهم، علينا أن نعلّمهم كيف يصغون، وكيف يختلفون دون أن يجرحوا.

إن حضرموت لا تحتاج إلى أصواتٍ أعلى بقدر حاجتها إلى قلوبٍ أوسع، ولا إلى من ينتصر في كل جدال، بل إلى من يمتلك الشجاعة ليقول: لعلني لم أفهمك جيدًا. فما أعظم الإنسان حين يستطيع أن يتراجع عن خطئه دون أن يشعر أن كرامته قد انتقصت.

والحوار لا يكتمل إذا جلس القوي يتحدث والضعيف يخشى الكلام، ولا يكون التفاهم صادقًا إذا طُلب من المظلوم أن يصمت حفاظًا على المظاهر. فالعدل أساس الحوار، والإنصات بداية الإنصاف، ولا سلام يدوم إذا تُركت الجراح تحت ثوب المجاملة.

ولذلك، فإن معالجة القضايا المجتمعية بالحوار والتفاهم ليست مجرد وسيلة لإنهاء الخلافات، بل ثقافة نغرسها في البيوت والمدارس والمجالس، حتى يصبح احترام الإنسان أهم من الانتصار عليه، ويصبح البحث عن الحقيقة أعظم من التمسك بالرأي.

وأخيراً قد نستطيع إسكات صوت الخصومة بالقوة، لكننا لا نستطيع إسكات أسبابها إلا بالعدل والحكمة والمحبة.

فليس السلام أن يتوقف الناس عن الكلام خوفًا من الاختلاف، بل أن يتعلموا الكلام دون خوف، والاختلاف دون عداوة، والتفاهم دون أن يفقد أحدهم كرامته.

وحين نُصلح ما بين القلوب، نكون قد أصلحنا شيئًا من الوطن؛ فالأوطان لا تتمزق يوم تختلف الآراء، بل يوم تنقطع جسور الرحمة بين أصحابها.