الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026
77
المعروف أن صناعة السمك المملح تشتهر به الشحر والمشقاص من زمان، وهو أنواع حسب السمك المملح ومنه المالح أو البغزيز وهو الأشد ملوحة وجاف، ولهذا فإن السواعي الذاهبة للبصرة ودبي ومسقط لابد أن تتزود من المالح والبغزيز لندرته هناك ومطلوب في الأسواق، وأما التمر فهو من البصرة.
ومن هذا المنطلق فأن معظم تجار الخليج قبل ستين عامًا ينتظرون السواعي التي تأتي من عدن مرورا بالمكلا والشحر وقصيعر وسيحوت، وهي محملة بهذه البضاعة الرائجة ولهذا يقولون هناك وهم تحت الانتظار والترقب يوما عن يوم، وايش مع النواخيذ من الشحر وسيحوت لي بايتحمل يا مالح يا بغزيز.
وكأنما الزمن يلعب لعبته ويدور بنا ما بين ما سرنا عليه زمان، وما بين ما نسوقه في موانئ منطقة الخليج حينها زمن لم تكن فيه الحدود ولا الحواجز ولا الجوازات كانت الموانئ والعادات والناس متعايشة ويجمعهما الفقر والبحر، وحين ظهرت الفلوس ظهرت الحواجز والموانع وجاءت الاطماع وفرقت بيننا وقست قلوب علئ قلوب وصرنا نناوط على السماء قبل الأرض.
الحرب التي تأكلنا في البلد والصراع الذي يدور في شأن تمويل الحرب من الأطراف الظاهرة والخفية لا حلو فيها ولا بها طعم السكر، فهي موجعة وبها من الأوجاع والمعاناة الكثير وكلما طال الوقت اشتعلت أكثر وكثر ووقودها من الفقراء في البلد والقصر من الأولاد والشباب وزادت الحاجة الئ وجودهم في الجبهات تأكلهم نار الحرب من دون رحمة أو حلول تغير حياتهم نحو الأحلى ماغير صنف واحد بطعم الملح وهو يامالح يا بغزيز.
وحين أتت النعمة في دول الخليج والتي أعقبت الغوص زمن الفقر والفاقة إلى وقت قريب ، وحين انتعشت الموانئ في عدن والمكلا والشحر وانتقل العصر بشكل خيالي إلى أبراج وموانئ عالمية متطورة ، وحينما حسبنا أننا قد اقتربنا من التكامل العربي الخليجي واليمن وان مرحلة انتعاش تقترب من النضوج والتطور لسكان الخليج والجوار وربما تنتقل الحياة إلى إغلاق النزاعات القبلية هنا وأن المال سيغير شكلا ومضمونا الحاضر والمستقبل وسيغلق كل مآسي الماضي إلى الأبد.
لكن ما لم نتوقعه أتى على حين غرة وتدفق علينا حربًا ونارًا، فقد اندلعت الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل، وفي جنوب الجزيرة اشتعلت الحرب عند باب المندب ووضعنا في مخنق وحسب قول المتنبي:
وسوى الروم وخلفك روم
فعلى اي جانبيك تميل.
وأنهارت كل تلك التطلعات ولازال الوضع ينذر بكثير من المفاجآت، فكل شئ ممكن الحدوث، وأن الحريق ربما يزداد اشتعالا، ولا تباشير مما نأمل في تذوق طعم آخر مما هو متوقع غير ما هو حاصل وهو يا مالح يا بغزيز.