الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026
70
ألحقت مواجهتا 2025 و2026 أضرارًا كبيرة بالقدرات العسكرية والنووية الإيرانية، وامتدتا إلى مستويات عليا من القيادة، دون أن تؤديا إلى إنهاء النظام أو إنتاج تسوية سياسية شاملة. ومن ثم، فإن أي مواجهة جديدة، وهي محتملة للغاية، قد تتجاوز، في الحسابات الإيرانية، حدود النزاع على الملف النووي والصاروخي إلى مواجهة كبرى وصراع على بقاء النظام، بما قد يدفع طهران إلى توظيف أقصى ما لديها من أدوات القوة العسكرية والإقليمية، الظاهرة منها والخفية، وتوسيع نطاق المواجهة بما يتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.
لكن السؤال الاستراتيجي يتجاوز طبيعة المواجهة إلى غايتها السياسية، فهل تستهدف استكمال تقويض القدرات الإيرانية، أم فرض تسوية بشروط أكثر تشدداً، أم تغيير النظام وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط؟.
تتراوح السيناريوهات بين ضربات محدودة تستهدف المنشآت العسكرية والنووية، وتصعيد واسع يطال البنية الاقتصادية ومراكز القيادة، وصولاً إلى محاولة تغيير النظام، وهو السيناريو الأشد تعقيدًا، إذ إن إسقاط القيادة لا يعني بالضرورة تفكيك منظومة السلطة، كما أن إضعاف الدولة لا يضمن نشوء بديل سياسي أكثر استقرارًا.
وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن المواجهة سوف تتجاوز أهدافها العسكرية إلى تهديد البنية التحتية للطاقة في دول الخليج، بما تشمله من حقول إنتاج ومنشآت معالجة وتكرير ومرافئ تصدير وشبكات نقل وإمداد. فتعرض هذه المنشآت لضربات واسعة قد يؤدي إلى تعطيل طاقات إنتاجية وتصديرية يصعب استعادتها سريعاً، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
وإذا اقترن ذلك بإغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة في باب المندب، فقد تتحول الحرب من مواجهة إقليمية إلى أزمة بنيوية تضرب أمن الطاقة العالمي وشرايين التجارة الدولية، وتفضي إلى صدمات حادة في أسعار النفط والغاز، واضطراب سلاسل الإمداد، وتسارع التضخم، واتساع مخاطر الركود العالمي.
ولا تنحصر أدوات التصعيد الإيراني في قدراتها العسكرية المباشرة، إذ قد تسعى طهران إلى توظيف شبكات حلفائها وأذرعها الإقليمية لفتح جبهات متزامنة، واستهداف المصالح العسكرية والاقتصادية وطرق الملاحة، بما يوسع مسرح العمليات ويضاعف كلفة احتواء الصراع. ومع أن قدرة هذه الأطراف على التحرك ليست مطلقة، بحكم بعض التوازنات، الا ان تعدد الجبهات قد يحوّل المواجهة إلى سلسلة من الصراعات المتداخلة، يصعب ضبط إيقاعها أو ضمان انتهائها بانتهاء العمليات العسكرية الرئيسية.
وهنا تتجسد المفارقة الاستراتيجية، فقد يتحقق إضعاف إيران عسكريًا على حساب استقرار الخليج والاقتصاد العالمي، بحيث تتجاوز كلفة الإنجاز العسكري وتداعياته حدود الأهداف التي اندلعت المواجهة من أجلها.
وتتعمق المعضلة في أن إضعاف إيران أو تغيير نظامها لا يضمن بالضرورة قيام توازن إقليمي أكثر استقرارًا، بل قد يفتح صراعًا جديدًا على إعادة توزيع النفوذ. ففراغ القوة لا يبقى شاغرًا، وانهيار التوازنات القائمة لا يعني تلقائيًا نشوء توازنات بديلة أكثر أمنًا، خصوصًا إذا اقترن تراجع الدولة الإيرانية باستمرار نفوذ أذرعها الإقليمية أو تحول بعضها إلى قوى أكثر استقلالاً وأقل خضوعًا للضبط المركزي. وعندئذ قد تستمر التداعيات الأمنية والسياسية والاقتصادية لسنوات، حتى بعد انحسار المواجهة المباشرة.
وعليه، لن يتحدد مستقبل المنطقة بحجم الإنجاز العسكري وحده، وإنما بمدى القدرة على تحويل نتائجه إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار، تمنع التداعيات، وتحمي أمن المنطقة وبنيتها الاقتصادية، وتحول دون انزلاق الاقتصاد العالمي إلى أزمة ممتدة.
فهل تنتهي المواجهة بإيران مختلفة، وما شكل التوازنات التي ستنشأ على أنقاض العملية العسكرية؟ وهل يكون العمل العسكري مدخلًا إلى استقرار إقليمي جديد، أم أن نهاية الحرب لن تكون سوى بداية لصراع أكثر تعقيدًا؟.