من أخطر أوهام السلطة أن يعتقد الحاكم أو الدولة أن امتلاك القوة يمنحه حق تقرير مصائر الآخرين، وأن السلاح والمال والنفوذ كفيلة بإخضاع الشعوب وفرض الوصاية على الأوطان.
من فيتنام إلى أفغانستان، وصولًا إلى مأساة غزة وما شهدته المنطقة من حروب وتهديدات وأطماع في التوسع، يتكرر درس التاريخ: قد تنتصر القوة في المعارك وتدمر المدن، لكنها تعجز عن محو إرادة الشعوب، أو تحويل الظلم إلى حق، أو صناعة سلام دائم على أنقاض الآخرين.
وليست العبرة حكرًا على القوى الكبرى؛ فغرور القوة داء يصيب كل من يستقوي بسلاحه على شعبه، أو بنفوذه على شركائه، أو بثروته على محيطه. وحين تتشابك أطماع الداخل مع حسابات الخارج، تصبح الأوطان ساحات نفوذ، وتتحول الشعوب إلى ضحايا لصراعات لم تخترها.
إن السيادة لا تُمنح بالوصاية، والشرعية لا تُكتسب بالقوة، والاستقرار لا يُبنى على إضعاف الآخرين. فالأمن الحقيقي ثمرة العدل واحترام الإرادة والحقوق، لا نتيجة الخوف والإخضاع.
ولعل أعظم ما ينبغي أن يتعلمه الأقوياء أن النفوذ، مهما اتسع، يبقى عابرًا، وأن ما يُفرض بالقوة لا يكتسب بالضرورة قبولًا أو شرعية، وأن التاريخ لا يقيس عظمة الدول بما أخضعته، بل بما أرسته من عدل وصانته من كرامة.
إن القوة حين تفقد الحكمة تتحول من وسيلة للحماية إلى مصدر للخطر، وحين تنفصل عن العدل تحمل في داخلها بذور زوالها.
* نائب وزير الخارجية الأسبق


















