- من حماية المضائق إلى بناء البدائل
قد تصنع المضائق خرائط التجارة، لكنها لا ينبغي أن تصنع خرائط المصير.
فعلى امتداد عقود، انصرف التفكير الاستراتيجي إلى سؤال واحد كلما تصاعدت التوترات في الخليج: كيف نحمي مضيق هرمز؟ غير أن تكرار الأزمات كشف أن المشكلة لا تكمن في المضيق ذاته، بل في حجم الارتهان إليه. وحين يصبح أمن الطاقة العالمي معلقًا بممر بحري واحد، فإن أي اضطراب فيه، مهما كان محدودًا، يتحول سريعًا إلى مصدر قلق للاقتصاد العالمي بأسره.
ومن هنا، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نحمي المضائق؟ بل: كيف نبني منظومة تجعل ازدهار المنطقة والعالم أقل اعتمادًا على أي نقطة اختناق بحرية؟ فالمرونة لا تُبنى بحراسة طريق واحد، وإنما بتعدد الطرق.
- السلام لا يغني عن إدارة المخاطر
قد يبدو الجواب البديهي أن السلام هو الحل، وهذا صحيح.
فالسلام سيظل الضمانة الأعمق لاستقرار الخليج وازدهاره، لكنه هدف سياسي قد يستغرق تحقيقه وقتًا طويلًا، بينما لا تستطيع الدول ولا الأسواق العالمية تعليق مصالحها انتظارًا لتحققه.
لذلك، فإن بناء البدائل لا يناقض السعي إلى السلام، بل يكمله. فالسلام هو الغاية، أما إدارة المخاطر وتعزيز المرونة لحماية التجارة والاقتصاد العالمي من تداعيات الأزمات، فهما مسؤولية الحاضر.
- ASTRA: إطار لإعادة تصميم الجغرافيا
في هذا السياق تبرز رؤية ASTRA (Arabian Sea Transit and Resilience Architecture)، أو «بنية بحر العرب للعبور والمرونة الاستراتيجية».
ولا تمثل ASTRA مشروعًا لإنشاء خط أنابيب جديد، بل إطارًا استراتيجيًا لإعادة تصميم الجغرافيا الاستراتيجية والاقتصادية لشبه الجزيرة العربية والخليج، عبر منظومة متكاملة من البنى التحتية تقوم على تنويع المسارات، وتعزيز المرونة، وترسيخ مبدأ التكرار الاستراتيجي.
إن جوهر ASTRA لا يكمن في إنشاء خط أنابيب جديد، بل في إعادة تصميم الجغرافيا التي جعلت أمن الطاقة رهين نقطة اختناق واحدة. فالفكرة لا تستبدل ممرًا بآخر، وإنما تعيد توزيع المخاطر، بحيث لا يعود أي ممر منفرد قادرًا على احتكار المصير الاقتصادي للمنطقة.
وبهذا المعنى، يصبح خط الأنابيب أحد تطبيقات الرؤية، لا الرؤية نفسها. فهي تفتح الباب أمام بنية تحتية إقليمية أوسع، يمكن أن تشمل مستقبلًا الطاقة، والمياه، واللوجستيات، والاتصالات، وربط شبكات البنية التحتية، ضمن تصور واحد يعزز التكامل الاقتصادي والمرونة الاستراتيجية.
- لماذا يبدأ البديل من حوف؟
قد يُطرح سؤال مشروع: لماذا حوف؟ لا يقتصر الجواب على الاعتبارات الجغرافية، رغم ما تتمتع به المنطقة من انفتاح مباشر على بحر العرب وقرب نسبي من المنظومة الاقتصادية في شرق الجزيرة العربية، بل يشمل أيضًا اعتبارات تنموية وسيادية واستراتيجية.
فهذا المسار يمنح اليمن فرصة للانتقال من هامش الجغرافيا السياسية إلى الإسهام في صناعة أمن الطاقة الإقليمي، كما يفتح آفاقًا جديدة لتنمية محافظة المهرة وربطها بالاقتصاد الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، يراعي اختلاف أولويات السياسات الإقليمية للدول المطلة على بحر العرب، وهو ما يجعل حوف، في الظروف الراهنة، الخيار الأكثر توازنًا من حيث الجدوى الفنية، والواقعية السياسية، والبعد التنموي.
وقد تطورت هذه الرؤية عبر مقالتين نشرتهما مؤخرًا باللغة الإنجليزية في مجلة Eurasia Review. غير أن هذا المقال لا يمثل ترجمة لهما، بل إعادة بناء عربية أكثر نضجًا، تستوعب تطور الفكرة، وتضيف إليها ما فرضته النقاشات الأخيرة حول أمن الطاقة، وإدارة المخاطر، ومستقبل الممرات الاستراتيجية.
لقد علمتنا أزمات هرمز أن المضائق قد تشعل الأزمات، لكنها لا ينبغي أن تحتكر المستقبل.
فالاقتصادات القوية لا تبني أمنها على حسن النوايا وحده، بل على حسن التصميم، وتعدد الخيارات، وتوزيع المخاطر.
إن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بقدرتها على حماية مضائقها، بل بقدرتها على إعادة تصميم جغرافيتها الاستراتيجية والاقتصادية، بحيث تصبح المرونة جزءًا أصيلًا من بنيتها، لا مجرد استجابة لأزماتها.
فالرهان الحقيقي ليس على حماية مضيق، بل على إعادة تصميم الجغرافيا ذاتها، بحيث لا يعود أي مضيق قادرًا على احتكار المصير.