أخر تحديث للموقع
الأحد, 02 أغسطس 2026 - 12:00 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • متى نفيق؟

    أحمد عبدالله المريسي




    أي انتصار نرجوه لوطن صار التناقض فيه هو القاعدة؟ كيف نطلب من الناس الصمود ونحن نرى الفشل يُكرم والرداءة تُقدم والكفاءة تُقصى بحجج الولاء والمحاصصة؟ لقد بلغنا مرحلة لم يعد ينفع معها التجميل ولا التبرير.

    لقد تحولت معاناة هذا الشعب إلى مورد يُدار، وتحول ألم الجريح إلى مادة خطابية، وتحولت تضحيات الشهداء إلى عناوين تُستهلك ثم تُنسى. والأخطر أن استمرار حالة الحرب والفوضى لم يعد يُنظر إليه كتحدٍ وطني فقط، بل صار بالنسبة لفئة منتفعة مشروعًا يحقق امتيازات وعقودًا ورواتب بعملات صعبة، ويوفر غطاءً لصمت لا يفسر إلا بالمصلحة. هؤلاء يعلمون علم اليقين أن عودة الدولة ومؤسساتها ومنطق القانون يعني نهاية كل ذلك.

    إن عدونا اليوم لم يعد يحتاج إلى تعريف. عدونا هو الصمت الذي نسميه حكمة. هو المجاملة التي نسميها مراعاة. هو التطبيل الذي نسميه وطنية. عدونا هو أن نرى المال العام يُنفق بلا معايير فنصمت. أن نرى المناصب تُوزع بلا كفاءة فنبرر. أن نرى من تضخمت ثرواته فجأة، ومن امتلك مشاريع وشراكات متعددة، ومن حصل على امتيازات على حساب الخزينة العامة، يتحدث عن "الظروف" و"الاستثناء" ثم يطالب المواطن البسيط بالمزيد من التضحية.

    بأي ميزان نقيس؟ كيف يستقيم أن يكون عائد جندي في الصفوف الأولى لا يكفيه لأيام، بينما يتقاضى آخرون في الشهر الواحد ما يكفي لتشغيل مرفق حيوي؟ كيف نقبل أن يدرس أبناء الوطن على ضوء الشموع بينما تُنفق أموال عامة على امتيازات دراسية وتعليمية وعلاجية لفئة دون وجه حق؟ إن هذا ليس قدراً. هذا خيار إداري وسياسي اتُخذ عندما وُضعت المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة.

    إن المطالبة بالشفافية ونشر العقود وتقارير الأداء والمراجعة ليست ترفًا ولا تآمرًا. هي أصل من أصول بناء الدولة. من يرفضها بحجة "حساسية المرحلة" هو من يريد لهذه المرحلة أن تطول. الشفافية لا تهز الدولة، بل تمنحها شرعيتها. والمحاسبة لا تضعف المؤسسات، بل تحميها من العبث.

    لن ننتصر ونحن نراهن على الأشخاص ونهمل النظام. لن ننتصر ونحن نتعامل مع الوطن كأنه شركة خاصة ومع الشرعية كأنها راتب شهري. لن ننتصر ونحن نبيع الصمت ونشتري المجاملة على حساب الحقيقة.

    اليوم الذي ستعود فيه الدولة قادم لا محالة. وفي ذلك اليوم لن يسأل أحد عن الشعارات ولا عن المناصب. سيكون السؤال واحدًا ومحددًا: ما هو حجم ما قدمته لوطنك؟ وما هو مصدر ما تملك؟ وسيكون الجواب أمام القانون وأمام الشعب وأمام التاريخ.

    إلى أن يأتي ذلك اليوم، كفانا مداهنة وكفانا نفاقًا. أمامنا خياران لا ثالث لهما: إما أن نكون دولة تحترم مواطنيها وتحاسب مسؤوليها، أو نستمر في إدارة الأزمة وتوريث الفشل. والخيار لنا.

    والله من وراء القصد.

المزيد من مقالات (أحمد عبدالله المريسي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال