السبت, 01 أغسطس 2026
82
ليس أقسى على الإنسان من أن يتحول وطنه إلى مكان يخاف العودة إليه، ولا أشد وجعا من أن يحمل عمره كله في حقيبة صغيرة، ويغادر بيته وهو يعلم أنه قد لا يراه مرة أخرى.
اللجوء ليس رحلة سياحية، والهجرة غير الشرعية ليست مغامرة يبحث أصحابها عن الإثارة، إنها في كثير من الأحيان صرخة إنسانية أخيرة يطلقها إنسان ضاقت به الأرض بما رحبت، فاختار البحر رغم يقينه أن الأمواج قد تكون آخر ما يراه في حياته.
وراء كل قاربٍ متهالك قصة أمٍ باعت حليّها لتُنقذ أبناءها من الحرب، وأبٍ غادر وطنه مكرهًا بعدما عجز عن توفير لقمة العيش، وطالب حُرم من التعليم، وطبيب أُجبر على ترك مستشفاه، ومحامٍ لم يعد يجد عدالة تحميه، وصحفي أصبح قلمه تهمة تستوجب الملاحقة.
إن القانون الدولي لم يعترف باللجوء باعتباره منحة تمنحها الدول متى شاءت، بل قرره حقا إنسانيا أصيلا لكل من يتعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو قوميته أو آرائه السياسية أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة.
ولهذا جاءت اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والبروتوكول الملحق بها لعام 1967، لتؤكد أن حماية الإنسان مقدمة على الحسابات السياسية، وأن مبدأ عدم الإعادة القسرية أصبح من المبادئ الراسخة في القانون الدولي.
لكن، وعلى الرغم من هذا البناء القانوني المتين، ما زالت آلاف الأرواح تغرق كل عام في البحار والأنهار والحدود، وما زالت المخيمات تمتلئ بأطفال لم يعرفوا من الطفولة سوى الخيام، وأسلاك الحدود، وصفوف انتظار المساعدات.
أما الهجرة غير الشرعية، فهي ليست جريمة يولد بها الإنسان، بل غالبا ما تكون نتيجة مباشرة لفشل السياسات الاقتصادية، واستمرار النزاعات المسلحة، وانهيار مؤسسات الدولة، وغياب العدالة الاجتماعية، واتساع رقعة الفقر والبطالة والفساد. وعندما تُغلق الأبواب القانونية أمام الإنسان، فإنه يبحث عن نافذة، ولو كانت تؤدي إلى المجهول.
إن تجريم المهاجر وحده دون معالجة الأسباب التي دفعته إلى الهجرة هو ظلم مضاعف، لأن الضحية تتحول إلى متهم، بينما يبقى المتسبب الحقيقي في المأساة بمنأى عن المساءلة.
وفي المقابل، لا يمكن تبرير الهجرة غير النظامية باعتبارها الحل الأمثل، لأنها تفتح الباب أمام شبكات الاتجار بالبشر والتهريب والاستغلال والعمل القسري، وتحول الإنسان إلى سلعة تباع وتشترى على أيدي عصابات لا تعرف إلا لغة المال.
ومن هنا، فإن المعالجة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تكون ببناء مزيد من الأسوار، ولا بإغراق البحر بالسفن العسكرية، ولا بتشديد العقوبات على الضحايا، وإنما ببناء الإنسان، وتحقيق السلام، وترسيخ سيادة القانون، وخلق فرص العمل، وضمان العدالة، واحترام حقوق الإنسان.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن وحده لا يوقف الهجرة، كما أن البحر لم يكن يوما سببا للهروب، بل كان مجرد طريق إليه. أما السبب الحقيقي، فهو وطن فقد القدرة على احتضان أبنائه.
وفي عالم يتغنى بحقوق الإنسان، لا ينبغي أن يصبح جواز السفر معيارا لقيمة الإنسان، ولا أن تتحول الحدود إلى مقصلة للأحلام، ولا أن يكون البحث عن الأمان جريمة، ولا أن يصبح إنقاذ الغرقى موضع خلاف سياسي.
إن اللاجئ ليس رقما في تقرير دولي، والمهاجر ليس مجرد ملف في دائرة الهجرة، بل إنسان له اسم، وله أم تنتظر عودته، وأطفال يحلمون بمستقبل أفضل، وكرامة لا يجوز أن تغرق مع قوارب الموت.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه العالم على نفسه: كم طفلا يجب أن يبتلع البحر، وكم أسرة يجب أن تُشرد، وكم وطنا يجب أن ينزف، حتى ندرك أن معالجة اللجوء والهجرة تبدأ من حماية الإنسان في وطنه، قبل البحث عنه على حدود الآخرين؟
إن الإنسانية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى احترامها حين يطرق بابنا إنسان فقد كل شيء إلا كرامته.
* دكتوراه في القانون الدولي باحث ومتخصص في قضايا اللجوء والهجرة والقانون الدولي الإنساني.