السبت, 08 أغسطس 2026
162
في القاموس السياسي الشعبي، تولد أحياناً كلمات لا تصنعها المجامع اللغوية، ولا تشرحها معاجم اللغة وقواميسها، لكنها تختصر مرحلة كاملة أكثر مما تفعل الخطب والبيانات والتحليلات الطويلة.
ومن هذه الكلمات كلمة: تَبنكَس.
كلمة "بُنْكُس" وتُجمع (بَناكس) في لهجة أهل عدن تُطلق على رزمةٍ أو كمية محددة من الأوراق النقدية، وليس الظرف نفسه، وهي ذات أصول مرتبطة بحقبة الاستعمار البريطاني للمدينة والتأثر باللغات الأجنبية. ويرجح أن الكلمة حُرّفت عن الكلمة الإنجليزية (Banknotes) والتي تعني "الأوراق النقدية" أو العملات الورقية. مع الاستخدام الشعبي واندماج اللغات في الشارع التجاري لمدينة عدن، تم اختصار الكلمة وتطويعها لتتناسب مع اللسان العدني لتصبح "بُنكُس".
والتبنكُس، في الذاكرة السياسية الجنوبية الحديثة أو المعاصرة، هو فعل سياسي ساخر يشير إلى ذلك التحول المفاجئ في المواقف بعد أن يصل "البنكس"، أي الأوراق النقدية داخل ظرف، إلى صاحبه.
حينها لا يتغير الرأي بفعل قناعة جديدة، ولا يتحول الموقف نتيجة مراجعة فكرية، ولا يبدّل السياسي موقعه بسبب قراءة أعمق للمصلحة الوطنية، بل لأن "بُنكساً" أي ظرفاً ما وصل في لحظة ما، فغيّر الاتجاه، وعدّل الخطاب، وأعاد ترتيب الولاءات. وهكذا صار الناس يقولون: فلان تبنكس.
أي أنه استلم ظرفه المحشو بالمال، وبدّل موقفه، وغادر قناعاته القديمة كما يغادر المرء ثوباً لم يعد يناسب المناسبة.
والمشكلة ليست في المال وحده، بل في تحويل السياسة إلى سوق صغيرة، تُباع فيها المواقف، وتُشترى فيها الأصوات، وتُصنع فيها التحالفات بقدر ما تحتويه الظروف لا بقدر ما تحمله المبادئ.
لقد ظن بعضهم أن الشعب يمكن أن يتبنكس كما يتبنكس بعض السياسيين أو أدعياء السياسة. ظنوا أن القضية يمكن أن تُطوى بظرف، وأن الذاكرة يمكن أن تُشترى بمبلغ، وأن الإرادة الشعبية يمكن أن تُعاد صياغتها على مقاس من يدفع أكثر.
لكنهم أخطأوا الحساب. فالشعب الذي دفع أثمانًا باهظة من دمه، وجوعه، وصبره، وكرامته، لا يمكن اختصاره في ظرف. والقضية التي وُلدت من المعاناة، وتشكّلت من التضحيات، لا تُصفّى في غرف مغلقة ولا تُباع في ممرات المصالح.
قد يتبنكس فرد، وقد يتبنكس صوت، وقد يتبنكس موقف، وقد يتحول بعض الغاضبين بالأمس إلى مادحين اليوم، وبعض المدافعين عن القضية إلى شهود صامتين على محاولة تصفيتها.
لكن الشعب لم يتبنكس.
لم يتبنكس لأنه يعرف أن الأوطان لا تُشترى بالظروف، وأن الحقوق لا تسقط بالمكافآت، وأن من يبيع موقفه اليوم سيبيع غدًا من اشتراه إذا جاء ظرف أكبر.
والأخطر من التبنكس نفسه أن يتحول إلى ثقافة سياسية، يصبح فيها الثبات على المبدأ سذاجة، والوفاء للقضية تطرفًا، ورفض البيع عيبًا في "الواقعية السياسية".
عندها لا نكون أمام فساد أفراد فقط، بل أمام محاولة لإفساد الوعي العام، وتطبيع الخيانة الصغيرة، وتجميل الانحناء، وتسويق الارتهان بوصفه حكمة.
غير أن الوعي الشعبي، رغم كل محاولات الإرباك، ظل أكثر صلابة من جيوب المبنكسين. فالناس قد تصمت، لكنها تعرف. وقد تتعب، لكنها لا تنسى. وقد تُحاصر، لكنها تميّز جيدًا بين من يفاوض من موقع قضية، ومن يساوم من داخل ظرف.
ولهذا فإن العبرة ليست في عدد الذين تبنكسوا، بل في حقيقة أن الشعب لم يتبنكس.
تبنكس المبنكسون بنكسة أخلاقية وسياسية، وسقطت أقنعة كثيرة، وانكشفت مواقف كانت تحتاج فقط إلى ظرف كي تُظهر حقيقتها.
أما الشعب، فقد بقي خارج البُنكس، وخارج الصفقة، وخارج المزاد. وهذه، في زمن بيع المواقف، بطولة لا تقل عن أي انتصار.