الاثنين, 10 أغسطس 2026
114
الشرق الأوسط بعد اتفاق مكة ليس هو الشرق الأوسط بعد الاتفاق... والسؤال: لماذا؟ وكيف؟
وأي شرق أوسط نعني؟ أهو ذاك الذي سيغيره، كما يتشدق نتنياهو، من النيل إلى الفرات؟ أم هو خزان النفط والغاز والموقع والقواعد التي تنام تحت أحلام ترامب، وهو يقود حربه الشعواء على إيران، دون حسابات دقيقة، أدخلت ليس هذه المنطقة فحسب، بل العالم كله، في منعطف أخطر مما كان يريده ترامب، وتتوجس من نتائجه باقي الأطراف والكتل الدولية، سواء أوروبا أو الصين أو روسيا.
أما منطقة الخليج، فقد أصبحت عبئًا على اللحظة الحرجة، إذ باتت تدفع ثمنًا باهظًا لصالح من جعلها ضحية تدفع ثمن الحرب على إيران، كما باتت مطمعًا لمن يريدها كبش فداء يدفع ثمن الموقع والجوار لمنطقة الحرب بين إيران وأمريكا.
أمريكا تحارب عن بُعد، والغير يدفع الكلفة، وإسرائيل تجني وتقطف ثمار الحرب في غزة وسوريا ولبنان، وتوتّر منطقة الشرق الأوسط، بمفهوم الشرق الأوسط الأكبر، بما فيه غرب آسيا.
الحرب، كما نرى، طالت... وكل العالم مصالحه حقيقة تضررت. أمريكا تشعل النيران، وتحصد الفوائد، ولكنها تجني أيضًا ما لم يكن متوقعًا.
صمود إيران، غير عابئة بالحرب ودمارها، يجعلها لا تخسر أكثر مما خسرته، طالما لا تزال ممسكة برقبة الثعلب الذي يهدد استقرار العالم: مضيق هرمز، لتضيف إليه خازوقًا آخر: باب المندب، لمزيد من اشتعال حالة الحرب والقلق والتوجس الدولي، ضمن هذا الوضع الأخطر على واقع دولي مهزوز.
وتبرز، من بين سحب وغيوم داكنة وأزقة أبواب سياسة مغلقة، مفاجآت تطرح أسئلة، إجاباتها ليست فورية، ولا تتوافر لها قناعات مما يتاح من تسريبات عن قرب التوصل إلى نهاية للمواجهة الإيرانية ـ الأمريكية ـ الإسرائيلية.
فمن جرجر أقدام أمريكا إلى الوحل الأمريكي، نتنياهو، ما زال مصرًا على أعمال المزيد من التهييج والإثارة. إسرائيل لا تريد نهاية لا تحقق لها مزيدًا من التوسع والهيمنة وتدمير قوة إيران.
عالم يعيش مرحلة إعادة تشكل، وُضعت أمامه الكثير من العراقيل والقيود المتعمدة:
استمرار زخم الحرب الأوكرانية ومحاصرة روسيا.
تناطح متعمد بين أمريكا والصين.
التغيير العمدي الاستعماري لأوضاع دول أمريكا الجنوبية.
استمرار توهج جنون طرح مفهوم «أمريكا أولًا».
حرب المواجهة الأخيرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل، بداياتها افتقدت الصواب، وخواتمها أسوأ مما يتوقع. من أشعلها، ومن يراهن على كسبها، هي حرب لا تحسمها المسيّرات ولا مجموعات باقي الأسلحة الأمريكية التي قارب مخزونها على النفاد.
حرب إيران تُحسم بريًا، والسؤال: من سيتكفل بها؟ أمريكا وإسرائيل يحاربان عن بُعد، والآخرون يدفعون الثمن.
وهكذا دفعت دول الخليج ثمن حرب؛ لأن بها قواعد تنطلق منها الضربات التي تنفذها إيران. فقاعدة العديد في قطر مرابض للطيران والصواريخ الأمريكية، والبحرين مركز للقوات البحرية الأمريكية وبوارجها، والكويت مقر للقوات الأمريكية في المنطقة.
هكذا تستغل إيران ما تيسر كي تلاعب «اليانكي» ألعابه، وتلاعب شيلوك بطريقته؛ أي قضم أي قطعة لحم من جسد من تتعامل معه إقراضًا أو تطبيعًا.
ضمن هذا الكتالوج الأسود لوضع الحرب الدائرة، تطل من بين الغيوم الداكنة اتفاقية دفاع مشترك بين ثلاث من قوى الشرق الأوسط والشرق الأوسط الكبير، غرب آسيا، مع غياب يثير التساؤل: وأين مصر، التي تحملت وحيدة عبء الموضوع التاريخي والخلفية الحقيقية لهذه الحرب: القضية الفلسطينية؟
اتفاقية الدفاع المشترك والحرب ما تزال مستعرة بين إيران وأمريكا، ومراقبة إسرائيلية. فما هي أبعاد هذا التحالف؟ فما سُرّب لا يقدم إجابات شافية.
وهل أمريكا مع انبثاق هذا الحلف؟ وهل ستخلي طرفها من التزاماتها تجاه حلفائها في الخليج؟ وما مصير قواعدها طالما أن التحالف الجديد يطرح نفسه بديلًا؟ وما مستقبل العلاقة بين أمريكا ودول الحلف الثلاث، علمًا بأن دول التحالف الثلاثي من أقرب حلفاء وأصدقاء أمريكا؟
ليظل السؤال: وماذا بشأن العلاقة في قادم الأيام مع إيران، إن حُسم أمر الحرب أو استمرت؟ وكيف سيكون شكل العلاقة مع إيران وعلاقاتها بالدول الثلاث، ذات الطبيعة التشابكية؟
فما العمل؟ والحلف قد قالها بصراحة يُحسد عليها: إن أي عدوان على أي بلد هو عدوان على الكل!!
وماذا سيكون عليه رد فعل دول الحلف إذا استمرت عربدة إسرائيل في المنطقة، من أول غزة حتى مداخل قزوين وباب المندب، مرورًا بتواجدها في أرض الصومال والقرن الأفريقي، في حصار لمصر، في تناسق مضمر مع إثيوبيا، حصارًا لمصر أيضًا؟
فعن أي شرق أوسط جديد يتحدثون؟
وهل بداية التغيير تأتي من عزل مصر، أم بتحويل إيران إلى عدو بديل عن خطر إسرائيل؟!
وهو أمر لا نتصوره. فمصر، التي كانت شريكة السعودية وقطر وتركيا وباكستان في مفاوضات تقريب وجهات النظر بين إيران وأمريكا، كانت تعكس مكانة مصر ودورها التاريخي والجيوسياسي في المنطقة.
وفي الختام، نراها خارج لعبة مخطط إقامة تحالفات وتكوينات ذات طابع أمني واستراتيجي. لا يُعقل ولا يُتصور أن تكون دولة بحجم ومكانة مصر تنتظر قولًا يقول: «والباب ما زال مفتوحًا لأعضاء جدد».
ما هكذا تُعامل مصر، ولا هذه مكانتها، ولا هذا هو الشرق الأوسط الذي تريده شعوب ودول المنطقة.
ما تريده المنطقة هو منطقة خالية من الحروب، تضمن أمنها دول المنطقة وفق منطلقات تعكس مفهومًا يحقق أمن دول وشعوب المنطقة، وأولها أمن واستقرار بلادنا اليمن، كاملة السيادة، كما يضمن حلًا عادلًا للقضية الفلسطينية عبر دولتها المستقلة وعاصمتها القدس.
عدا ذلك، فهي أحلاف تضع الخرائط المستقبلية في جيب أمريكا، وبتلاوات تطبيعية إسرائيلية.