الاثنين, 10 أغسطس 2026
122
ليست المشكلة في عدن أنها مدينة فقيرة، ولا أنها تفتقر إلى التاريخ أو الموقع أو الموارد أو الإنسان.. المشكلة أن هناك من ينظر إليها بعينٍ لا ترى في المدينة إلا ما يمكن أخذه منها.
يرون البحر ولا يرون أهله، يرون الميناء ولا يرون وظيفته الوطنية، يرون الأرض ولا يرون أصحابها، يرون المؤسسات ولا يرون المواطن الذي أُنشئت من أجله، ويرون عدن بوصفها موقعًا مناسبًا للنفوذ، لا مدينةً تستحق أن تعيش.
عدن في عيون هؤلاء ليست مدينة... إنها فرصة.
فرصة للاستحواذ، وفرصة للتعيين، وفرصة للعقود، وفرصة للمناقصات، وفرصة لبناء النفوذ، وفرصة لتحويل المال العام إلى امتيازات خاصة.
وكلما طالب أحدٌ بأن تكون عدن دولة قانون ومؤسسات وخدمات، خرجت إليه أصوات تسأله:«أجابك؟ من أنت؟ ومن أعطاك الحق في الكلام؟» وكأن المواطن في مدينته يحتاج إلى إذن حتى يطالب بالكهرباء والماء والطرقات والغاز والعدالة.
يا سادة.. عدن ليست ملكًا لمن وصل إليها أخيرًا، ولا لمن امتلك القوة، ولا لمن امتلك القرار، ولا لمن جلس خلف مكتب يحمل ختمًا رسميًا. عدن مدينة لها تاريخها وأهلها وذاكرتها ومؤسساتها وميناؤها ومطارها ومصفاتها وأراضيها، وحقها في إدارة مواردها وفق القانون.
والأخطر من ذلك أن بعض العيون التي تنظر إلى عدن لا ترى حتى خرابها باعتباره مشكلة؛ فالكهرباء بالنسبة إليها ملف، والمياه ملف، والغاز ملف، والأراضي ملف، والميناء ملف، والمطار ملف، والوظيفة العامة ملف.. أما المواطن الذي يقف في الطوابير، وينتظر ساعات الكهرباء، ويبحث عن أسطوانة الغاز، ويدفع من دخله المحدود ثمن كل شيء، فهو في آخر القائمة.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا: كيف يمكن أن تتحول مدينة كاملة إلى أرقام في دفاتر المصالح، بينما يتحول أهلها إلى مجرد متلقين للوعود؟
عدن لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها أكثر مما تحتاج إلى من يعمل من أجلها.
لا تحتاج إلى مزيد من المكونات التي تتنازع تمثيلها، بل إلى مؤسسات تمثل الدولة. ولا تحتاج إلى مزيد من الشعارات عن التنمية، بل إلى موازنة عادلة، وإدارة رشيدة، ورقابة حقيقية، وقضاء مستقل، وشفافية في الإيرادات والمصروفات.
ولا تحتاج إلى من يمنّ عليها بالخدمة، لأن الخدمة العامة ليست مِنّة؛ الكهرباء حق، والماء حق، والأمن حق، والعدالة حق، والوظيفة العامة حق تحكمه الكفاءة والقانون، لا القرابة والولاء والمحسوبية.
أما عدن نفسها، فهي أكبر من أن تُختصر في سلطة مؤقتة أو مشروع سياسي عابر.
هذه المدينة دفعت ثمنًا باهظًا من تاريخها، وما زالت تدفع.. دفعت من أمنها، ومن اقتصادها، ومن بنيتها التحتية، ومن أراضيها، ومن شبابها، ومن استقرار أهلها. ومع ذلك، ما زال فيها من يحاول إقناعنا بأن المشكلة في المواطن الذي يسأل.
لا.. المشكلة ليست في المواطن الذي يسأل عن حقه.
المشكلة في المسؤول الذي يعتقد أن السؤال إهانة، وفي التاجر الذي يعتقد أن الأزمة فرصة، وفي السياسي الذي يعتقد أن المدينة ملك لمشروعه، وفي الموظف الذي يعتقد أن المنصب ملك شخصي، وفي كل من يرى المال العام غنيمة لا أمانة.
تلك هي العيون الوقحة التي تحتاج عدن إلى أن تتحرر من نظرتها قبل أن تتحرر من أزماتها.
عدن لا تريد الانتقام من أحد، ولا تريد إقصاء أحد، ولا تريد أن تتحول إلى ساحة جديدة للصراع.
عدن تريد شيئًا أبسط من ذلك كله.. أن تكون مدينة.
مدينة يحكمها القانون، وتُدار مؤسساتها بالاختصاص، وتُصان مواردها بالرقابة، وتُحمى أراضيها بالقضاء، وتُوزع خدماتها بعدالة، ويكون المواطن فيها مواطنًا كامل الحقوق، لا تابعًا لهذا الطرف أو ذاك.
ولذلك، فإن معركة عدن الحقيقية اليوم ليست مع شخص بعينه، ولا مع حزب بعينه، ولا مع مكون بعينه.. إنها مع ثقافة الاستباحة.
ثقافة تقول إن كل شيء قابل للبيع، وكل منصب قابل للتوزيع، وكل مؤسسة قابلة للسيطرة، وكل أزمة قابلة للاستثمار، وكل مواطن قابل للصمت، وهذه الثقافة يجب أن تنتهي.
فعدن ليست غنيمة، وليست جائزة حرب، وليست دفتر حسابات مفتوحًا لمن يملك القوة.
عدن مدينة... ومن حق المدن أن تعيش.
ومن حق أهلها أن يرفعوا رؤوسهم دون أن يطلبوا الإذن.
أما الذين ينظرون إليها بعيون وقحة، فلا نحتاج إلى إغلاق أعينهم.. يكفي أن نفتح عيون القانون.
فحين تفتح الدولة عينيها... لا يبقى للوقاحة مكان.