الاثنين, 10 أغسطس 2026
126
عندما تنتهي الحروب، يأتي المهندسون أولًا، يقيسون الشقوق في الجدران، يفحصون الأعمدة، يحسبون تكلفة السقف، ويضعون علامات على البيوت التي يمكن ترميمها وتلك التي يجب إعادة بنائها.
لكنني أتساءل: من يقيس الشقوق التي تركتها الحرب في الإنسان؟
من يفحص قلب طفلٍ نام سنوات وهو يسمع الكبار يتحدثون عن الخوف والغلاء والموت والرحيل؟ ومن يعيد بناء الثقة بين أخوين فرّقتهما المواقف؟ ومن يصلح ذاكرة أمٍ قضت سنواتها وهي تخشى الغد؟ ومن يرمم أبًا أنهكه البحث عن لقمة العيش حتى أصبح يعود إلى بيته بجسد حاضر وروح شديدة التعب؟
في اليمن، تهدمت أشياء كثيرة لا تظهر في الصور الجوية. تهدمت طمأنينة. تصدعت علاقات. انكسرت ثقة. كبر أطفال قبل موعدهم. وتعلم بعض الناس الحذر أكثر مما تعلموا الحب. ولهذا، عندما نتحدث عن إعادة إعمار اليمن، أخشى أن نرتكب خطأً كبيرًا إذا ظننا أن الإسمنت وحده يستطيع إعادة الوطن. فقد تستطيع أن تعيد بناء بيتٍ في أشهر، لكن ماذا لو عاد إليه أفراد لا يعرفون كيف يعودون إلى بعضهم؟
الحرب لا تسكن الجبهات وحدها؛ أحيانًا تنتهي المعركة في الخارج، لكنها تستمر سنوات داخل البيوت. تدخل في نبرة الأب حين يغضب بسرعة، وفي خوف الأم المبالغ فيه على أطفالها، وفي طفل يفزع من صوت مرتفع، وفي شاب لم يعد يثق بأحد، وفي أسرة أصبح أفرادها يجلسون في غرفة واحدة، لكن كل واحد منهم يعيش في جزيرة منفصلة.
والأخطر أن بعض جراح الحروب تتحول، مع مرور الوقت، من أحداث عشناها إلى طباع نمارسها. فالخوف إذا طال قد يصبح شكًا، والشك قد يصبح سوء ظن، وسوء الظن قد يتحول إلى خصومة. والقسوة التي فرضتها الظروف قد تدخل أسلوب تربيتنا، ثم نورثها لأطفال لم يعيشوا الحرب نفسها، لكنهم يعيشون آثارها فينا. وهكذا تستطيع حربٌ واحدة أن تعيش أكثر من عمرها؛ تنتقل من الشارع إلى البيت، ومن البيت إلى النفس، ومن النفس إلى الطفل، ثم يمضي الطفل بها إلى أسرته القادمة.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لليمن ليس فقط أن نورث أبناءنا ديون الحرب، بل أن نورثهم طريقتها في التفكير: أنا أو أنت، غالب أو مغلوب، معنا أو ضدنا.
وهنا تبدأ إعادة الإعمار الحقيقية.وهي، على عكس ما نتصور، لا تحتاج دائمًا إلى مؤتمرات ضخمة ولا ميزانيات هائلة.
قد تبدأ من مائدة صغيرة.. أن تجلس الأسرة مرة في الأسبوع دون هواتف، ليس لتناقش المصاريف والمشكلات فقط، بل ليسأل كل واحد الآخر: كيف حالك فعلًا؟ ما الذي أتعبك هذا الأسبوع؟ هل أخطأت في حقك؟ ماذا نستطيع أن نصلح؟ ربما تبدو جلسة عائلية بسيطة، لكنها في الحقيقة ورشة إعادة إعمار.
لأن الاعتذار يعيد بناء جدارٍ اسمه الثقة، والإنصات يصلح نافذةً اسمها الأمان، والعفو يفتح بابًا أغلقته سنوات الخصام.
ونحتاج في بيوتنا إلى عادة أخرى بسيطة: ألا نترك الخلاف ينام معنا كل ليلة.
ليس المطلوب أن تنتهي كل مشكلة قبل النوم، فهذا غير واقعي، ولكن يكفي أحيانًا أن يقول أحدنا: «نحن مختلفون، لكننا لسنا أعداء. سنكمل حديثنا عندما نهدأ».
يا لها من جملة صغيرة، لكنها تعلم الطفل درسًا يحتاجه اليمن كله" يمكننا أن نختلف دون أن نهدم بعضنا. ونحتاج أيضًا إلى ترميم ذاكرة أطفالنا.
فإذا كانت سنواتهم قدامتلأت بأخبار الحرب والخوف والفقر، فلنزرع عمدًا ذكريات أخرى بجانبها: نزهة بسيطة، شجرة يزرعونها معًا، طبق يصنعه أفراد الأسرة، زيارة جد، ليلة قصص، لعبة جماعية، خدمة يقدمونها لجار. قد يسأل أحدهم: وهل تصلح نزهةٌ بلدًا أنهكته الحرب؟ لا،
لكنها قد تصلح جزءًا صغيرًا من ذاكرة طفل سيكبر يومًا ليشارك في إصلاح ذلك البلد.
فالطفولة ليست ما نوفره للطفل من أشياء فقط؛ الطفولة هي المخزن الذي سيعود إليه الإنسان كلما أتعبته الحياة. ومن الظلم أن نترك مخزن أطفالنا ممتلئًا بالخوف وحده.
ثم هناك إصلاح آخر أكثر صعوبة: أن نتوقف عن توريث أبنائنا خصوماتنا.
ليس من العدل أن يولد طفل يمني فيجد أمامه قائمة جاهزة بمن ينبغي أن يحبهم ومن ينبغي أن يكرههم، لأن الكبار اختلفوا قبل أن يولد.
لنعلّم أطفالنا أن الإنسان لا يرث العداوة كما يرث اسم العائلة.
وأن خلاف أبي مع رجل لا يجعل أبناء ذلك الرجل أعداءه.
وأن اختلاف المنطقة أو القبيلة أو المذهب أو الرأي لا يسحب من الإنسان حقه في الاحترام.
لأننا إذا أعدنا بناء المدارس والطرقات، ثم ربينا في داخل البيوت أجيالًا تحمل الخصومات القديمة، فنحن لا نعيد بناء اليمن؛ نحن فقط نبني مسرحًا جديدًا لصراع قديم.
ونحتاج كذلك إلى أن نستعيد لغةً فقدنا جزءًا منها تحت ضغط السنوات: لغة الامتنان.
أن يقول الأب لزوجته: شكرًا لأنك تحملتِ.
وتقول الأم للأب: أعرف أنك متعب.
ويقول الكبير للصغير: أحسنت.
ويتعلم الطفل أن يقول لأخيه: سامحني.
هذه الكلمات لا تظهر في موازنات إعادة الإعمار، لكنها ربما تكون أرخص مواد البناء وأشدها صلابة.
فالأسرة التي يتعلم أفرادها الاعتراف بفضل بعضهم لا يسهل على الأزمات أن تحولهم إلى خصوم.
ولعل اليمن يحتاج اليوم إلى مفهوم جديد للإعمار؛ أن يكون لكل بيت مشروع ترميم داخلي مثلما للمدن مشاريع ترميم خارجية.
لا نبدأ بالسؤال: ماذا ينقص منزلنا؟
بل: ماذا انكسر بيننا؟
هل انكسر الحوار؟ نعيده.
هل ضعفت الثقة؟ نبنيها بالمواقف الصغيرة.
هل ابتعد الأبناء؟ نقترب منهم بلا محاكمات.
هل أصبحت أصواتنا مرتفعة؟ نتعلم أن الهدوء ليس ضعفًا.
هل امتلأت ذاكرتنا بالألم؟ لا نمحوها ولا ننكرها، بل نضع بجوارها ذكريات جديدة تقول إن الحياة لم تتوقف هناك.
وإذا كانت الحرب قد علمتنا كيف نخاف، فعلينا أن نعلم أبناءنا كيف يطمئنون.
وإذا علمتنا كيف نفقد، فلنعلمهم كيف يعطون.
وإذا قسمت الناس إلى معسكرات، فلنصنع حول مائدة البيت مساحة يتعلم فيها الطفل أن الاختلاف لا يلغي المحبة.
وإذا جعلتنا سنوات الصراع نتقن فن النجاة، فقد آن الأوان أن نتعلم من جديد فن الحياة معًا.
إن الوطن في النهاية ليس خريطة معلقة على جدار.
الوطن ملايين التفاصيل الصغيرة التي تحدث خلف أبواب البيوت: أبٌ يعتذر، أمٌ تنصت، طفلٌ يشعر بالأمان، أخوان يتصالحان، جدٌّ يحكي قصة تجمع ولا تفرّق، وأسرة تختلف ثم تجلس إلى المائدة نفسها.
من هذه التفاصيل الصغيرة يتكون الشيء الكبير الذي نسميه «المجتمع».
ولهذا قد يكون المهندس الذي سيعيد بناء اليمن غدًا طفلًا يجلس اليوم في بيتٍ متعب.
وقد تكون أول أداة بناء نعطيها له ليست قلمًا ولا مطرقة، بل تجربة يومية تقول له: نختلف ولا نتقاتل، نخطئ ونعتذر، نتألم ولا نؤذي، ونسقط ثم يساعد بعضنا بعضًا على الوقوف.
نعم، اليمن يحتاج إلى طرقٍ جديدة ومدارس ومستشفيات ومنازل.
لكن قبل أن نطلي الجدران، علينا أن نسأل عن القلوب التي ستعيش خلفها.
وقبل أن نفتح أبواب البيوت الجديدة، علينا أن نفتح أبواب الحوار القديمة.
وقبل أن نزرع الأشجار على الأرصفة، علينا أن نزرع في أطفالنا شيئًا يجعلهم، عندما يكبرون، لا يعيدون قطعها ولا إحراقها.
فإعادة إعمار اليمن ليست أن نعيده كما كان فقط؛ بل أن نمنح أبناءه فرصة ليصبح أفضل مما كان.
وحين يأتي يومٌ تُرمم فيه آخر نافذة مكسورة، ويُعبد آخر طريق متضرر، قد نكتشف أن أصعب مشروع إعمار ظل ينتظرنا طوال الوقت هو الإنسان.
فالبيت الذي هدمته الحرب يمكن أن تعيده الحجارة،
أما البيت الذي هدمته الحرب داخل الإنسان، فلا يعيده إلا إنسان آخر يجلس بقربه، ينصت إليه، يغفر له، ويقول له بالفعل قبل القول:"لنبدأ البناء من جديد.".
ودمتم سالمين.