الثلاثاء, 25 أغسطس 2026
48
حين دخلت الفأس إلى الغابة لأول مرة، لم ترتعد الأشجار ولم تصبها الدهشة، بل التفتت إحداها إلى الأخرى وقالت باطمئنان زائف:"لا بأس علينا، فنصاب الفأس مصنوع من خشبنا، وهو واحد منا!"؛ ولم تدرك الأشجار أن اليد التي تحمل الفأس لا تعنيها أصول النصاب، بل يعنيها حجم المقتلة.
هذه المأثورة القديمة تتجسد اليوم بأبشع صورها في المشهد اليمني، حيث يُساق شعب كامل إلى المذبح، بينما لا يزال البعض، وبدافع من العاطفة الأيدولوجية أو الاستقطاب المناقبي، يصفقون لنِصاب الفأس، ويتغاضون عن المأساة لمجرد أن الجلاد يرتدي زيهم أو ينطق بلسانهم.
إن المعضلة الكبرى في اليمن اليوم جميعاً، لا تكمن فقط في وجود طبقة طفيلية امتهنت المتاجرة بالوطن، بل في تلك الحصانة الأخلاقية والمجانية التي يمنحها إياها الناس بالتصفيق والتهليل. لقد تحول المرتزقة والخونة، على اختلاف انتماءاتهم وتباين خندقاتهم، إلى كائنات تتنعم بثروات البلد ومال المقهورين، يبنون إمبراطورياتهم المالية في الخارج أو يكدسون الجبايات والمكاسب في الداخل، بينما يئن الموظف البسيط من الجوع، وتُسحق الأسر تحت وطأة الغلاء، ويُترك الجرحى والمقهورون للعدم. إنهم يعيشون رفاهية مطلقة عُمدت بدم الفقراء ودعوات الثكالى، وباتت استطالة أمد المأساة هي صك أمانهم الوحيد للاستمرار.
من هنا، يغدو النداء الصريح والواجب الوطني موجهاً إلى وعي كل يمني ويمنية شمالا وجنوبا: كفّوا عن التصفيق؛ فإن كل كفٍّ تصفق لتاجر حرب أو سياسي مسترزق إنما تشارك في خنق هذا الوطن. إن اللحظة التاريخية تعصرنا عصراً، ولم يعد فيها متسع للمجاملة أو التماس الأعذار، والمطلوب اليوم هو إجراء«فرزٍ أخلاقي وسياسي صارم» لا يستثني أحدًا.
يجب إعلان القطيعة التامة مع كل من يستثمر في المأساة، أياً كان شعاره، وأياً كانت الذريعة التي يتستر بها، سواء ارتدى عباءة الشرعية، أو ادّعى المظلومية العقائدية، أو التفع بيافطات الهوية والمناطقية؛ فالخيانة لا جنسية لها ولا مذهب، والمرتزق يبقى مرتزقاً ولو توّج نفسه بطلًا قوميًا.
إن استعادة الوطن المنهك تبدأ بوقف التبرير للجلادين، وبإدراك أن الذي يأكل من قصعة الناس ويحرمهم القوت، هو شريك مباشر في سحقهم مهما بلغت فصاحته أو علت شعاراته.
لقد حان الوقت لينظر الشعب إلى واقع جراحه لا إلى بريق الشعارات، ولتتوقف هذه الهرولة خلف السراب، فالأوطان لا تعود بالهتاف لمن يسرقها، بل بوعيٍ حقيقي يسقط الأقنعة ويزيح المسترزقين عن ظهر وطنٍ لم يعد يحتمل المزيد من الطعنات.