السبت, 05 سبتمبر 2026
164
منذ أن فتحت عيني على هذه الدنيا، وأنا أسمع عن مظلومية الجنوب. كنت أسمعها طفلًا في المقايل والمجالس والحوارات التي تدور بين الكبار، لكنني في ذلك العمر لم أكن أستوعب ماذا تعني القضية الجنوبية، ولا حجم المظالم التي يتحدث عنها الجنوبيون.
كبرت وترعرعت وأنا، كمواطن يمني من الشمال، لم أحصل أصلًا على كثير من الحقوق التي يفترض أن توفرها الدولة لمواطنيها. ولذلك كنت أظن لسنوات أن معاناة الجنوبيين ليست مختلفة كثيرًا عن معاناتنا في الشمال.
لكنني مع الوقت، ومع الاستماع إلى الجنوبيين أنفسهم، بدأت أفهم أن هناك مظالم خاصة وقعت عليهم لا يصح أن نختصرها بالقول: «كل اليمنيين مظلومون».
أتذكر وأنا في الصف السادس الابتدائي أنني كنت ضمن الكشافة المدرسية، وصرفت لنا المدرسة بدلًا رياضية على حساب الدولة للمشاركة في احتفال الوحدة. عدت بها إلى البيت في اليوم نفسه وهي ممزقة تقريبًا من شدة رداءة جودتها. ربما تبدو هذه قصة صغيرة، لكنها تختصر شيئًا من علاقتنا بالدولة آنذاك: دولة تحتفل بالشعارات أكثر مما تهتم بالإنسان.
نحن أيضًا عانينا من الفساد وسوء الإدارة وغياب الدولة، وأبناء المناطق الوسطى، مثل كثير من اليمنيين، لم يكونوا أصحاب قرار في الحروب والسياسات التي صنعت المظالم، بل دفعوا هم أيضًا أثمانها من حياتهم ومستقبلهم.
لكن الاعتراف بمعاناتنا لا ينبغي أن يكون وسيلة لإنكار معاناة الآخرين.
جلست مؤخرًا مع أحد أبناء الجنوب، فحكى لي أن والده كان طيارًا حربيًا، وبعد الوحدة انتهى به الحال يعمل في بيع القات. والتقيت آخر حدثني عن ضابط فُصل من عمله. وخلف هذه القصص آلاف الحكايات عن موظفين وعسكريين وأسر شعرت بأنها خسرت مكانتها وحقوقها ومستقبلها.
هنا بدأت أفهم القضية بطريقة مختلفة.
إلى إخوتنا في الجنوب أقول: نشعر بكم، ومن لا يستطيع أن يستمع إلى مظالم إنسان عاش معه في الوطن نفسه، فعليه أن يراجع ضميره.
نعم، نحن أيضًا عانينا. وإن كان بعضكم قد امتلك وظيفة ثم فُصل منها، فإن كثيرًا منا لم يعرف الوظيفة الحكومية أصلًا. وأبناء مناطق يمنية كثيرة كُتبت عليهم الغربة والهجرة منذ عقود.
لكن هذه ليست منافسة على من عانى أكثر.المظلومية لا تُلغى بمظلومية أخرى، والعدالة لا تتحقق بأن نقول للمظلوم: نحن أيضًا مظلومون.
كنت أتمنى أن أكبر في وطني، وأحقق أحلامي فيه، وأشارك في بنائه مع أصدقاء الطفولة. كنا صغارًا نحلم في المدرسة: هذا يريد أن يصبح طبيبًا، وذاك طيارًا، وآخر سياسيًا أو تاجرًا أو حتى رئيسًا للجمهورية.
وما إن بدأنا نكبر حتى انفجرت الحرب، فتفرقت الأحلام وتشتت العائلات، وأصبح كثير منا يعيش بعيدًا عن وطنه. ولهذا أرفض تمامًا مقولة: «الوحدة أو الموت».
أي وحدة تحتاج إلى الموت كي تستمر؟الوحدة الحقيقية لا يحرسها السلاح، ولا تفرضها الشعارات، ولا تبنى على خوف طرف من الطرف الآخر. الوحدة التي تستحق الدفاع عنها هي الوحدة التي يختارها الناس لأنها تمنحهم العدالة والكرامة والمواطنة المتساوية.
ولا يمكن أن نطالب الجنوبي بالتمسك بالوحدة قبل أن نمتلك الشجاعة لنسأله: لماذا فقدت الثقة بها؟
كان الجنوب قبل الوحدة دولة قائمة بمؤسساتها ونظامها، رغم ما عانته هي الأخرى من أزمات وصراعات سياسية واقتصادية. ثم جاءت الوحدة عام 1990 كحلم كبير لدى كثير من اليمنيين، لكن الحكومات التي تعاقبت بعد ذلك أخفقت في بناء دولة يشعر فيها الجميع بالشراكة والعدالة.
ثم جاءت حرب 1994 وما أعقبها، وتراكمت الجراح والمظالم، حتى أصبحت القضية الجنوبية واقعًا سياسيًا واجتماعيًا لا يمكن تجاوزه بالشعارات.
لهذا أعتقد أن البداية ليست في أن نقرر للجنوبيين مسبقًا شكل الدولة التي يجب أن يعيشوا فيها.
البداية هي الاعتراف.الاعتراف بالمظالم، وجبر الضرر، وإنصاف من فقدوا وظائفهم وحقوقهم وممتلكاتهم، ومعالجة آثار السياسات والحروب السابقة، ثم الجلوس إلى طاولة حوار حقيقية لمناقشة مستقبل الدولة وشكلها على أساس الإرادة الشعبية والعدالة والشراكة.
أما أنا، فأمنيتي الشخصية أن أرى اليمنيين يعيشون معًا في دولة مدنية ديمقراطية اتحادية، لا يحتكر فيها المركز السلطة والثروة، ولا يشعر فيها إنسان في عدن أو صنعاء أو تعز أو حضرموت أو صعدة أو المهرة أن الدولة بعيدة عنه.
لكن هذه أمنيتي، وليست حقًا لي أن أفرضها على الآخرين.إذا أردنا أن نحافظ على وطن يجمعنا، فعلينا أن نجعله وطنًا يرغب الناس في البقاء فيه، لا وطنًا يُطلب منهم البقاء فيه بالقوة.
وأؤمن أن جبر الضرر يمكن أن يفتح بابًا جديدًا للثقة بين اليمنيين. وبعدها نستطيع أن نتحدث بهدوء وشجاعة عن الوحدة، والفيدرالية، وشكل الدولة، ومستقبل الجنوب، وكل الخيارات التي يقررها الناس عبر الوسائل السلمية والديمقراطية.
إلى إخوتنا في الجنوب:نحبكم ونحترم آلامكم، والاعتراف بمظلوميتكم لا ينتقص من الشمال، كما أن إنصافكم لا يعني هزيمة أحد.
فالشمال والجنوب ليسا خصمين محكومًا عليهما بالصراع إلى الأبد.لقد دفعنا جميعًا ثمنًا باهظًا للحروب والأخطاء السياسية، وحان الوقت أن نجرب شيئًا آخر: الاستماع، والاعتراف، والعدالة، ثم السلام.
فربما تكون بداية الحل في اليمن أبسط مما نعتقد:أن نستمع إلى بعضنا أولًا.
* رئيس الجاليه اليمنيه في كندا