السبت, 05 سبتمبر 2026
173
إن أهمية مضيق باب المندب لا تكمن في كونه منطقة مرور سفن التجارة والشحن البحري وحسب، ولكن في كونه أيضًا يربط المحيط الهندي ومضيق هرمز ببحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، كمنطقة مرور مائي وصولًا إلى البحر المتوسط من خلال قناة السويس.
وفي هذا الإطار، ربما لم تستفد القيادة الجنوبية الحالية من تاريخ أهمية هذا المضيق على صعيد اتخاذ القرار الوطني والأمن الإقليمي، حين لم ترجع إلى ما اتخذته قيادة الجنوب في عهد دولة الاستقلال من قرار بإغلاقه في وجه حركة مرور السفن المحمّلة بالمواد الغذائية والقدرات العسكرية الخارجية، دعمًا للمجهود الحربي الإسرائيلي، وذلك تضامنًا مع شعب وجيش مصر عبد الناصر الشقيق في مواجهة دولة الاحتلال والتوسع الإسرائيلي عام 1973م، ما ساعده في معركة الانتصار.
فيما لم تستفد القيادة الحالية من معركة القوات الجنوبية، وفي مقدمتها قوات العمالقة، مع الحوثي وتقهقره أمام تقدمها ووصولها إلى مشارف ميناء ومدينة الحديدة، لولا أن قوى دولية أنقذته بمبررات إنسانية. حيث كان يمكن أن يُعاد حينها تموضع القوات الجنوبية في مضيق باب المندب وتأمينه، من خلال التموضع في الجبال والتلال المحيطة به والمطلة عليه، وحينها كان وضع الحوثي في موقع الضعف، بما أن الدعم الإقليمي والدولي كان حاضرًا لموثوقيته في قدرة القوات العسكرية الجنوبية على تأمين طرق الملاحة الدولية، والشراكة في الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين في المنطقة، ومحاربة الإرهاب والتهريب والقرصنة البحرية، وتأسيسًا عليه دعم حق شعب الجنوب في استعادة دولته.
فالعالم يتعامل مع من يده على الأرض ويضمن له مصالحه، ولا غير ذلك.
لقد استثمرت إيران وذراعها الحوثي ما نساه أهل الجنوب من أهمية مضيق باب المندب، بالنظر إلى أن المعركة الحالية للسيطرة على مناطق غرب تعز ليست للتوسع في احتلال مناطق جغرافية شمالية جديدة، ولكن للسيطرة على المناطق المطلة على ساحل البحر الأحمر، وهي منطقة مرور السفن التجارية الدولية وحركة الشحن البحري والطاقة، وصولًا إلى محاولة التقدم المستميت بهدف السيطرة على الجبال والتلال المطلة على المضيق أيضًا، ليكون في متناول مسيّراته وصواريخه.
بحيث تصير إيران، ومن خلال ذراعها ومدّه بالمزيد من العتاد والمال والدعم اللوجستي والاستخباري، هي المسيطرة على المضيق، ربما تعويضًا عن خسارتها في مضيق هرمز. فلا فرق لديها بين هذا وذاك، طالما كان يفرض معادلتها في الوضع الإقليمي والدولي، كما تخطط له وتعمل على تنفيذ فصوله من خلال ذراعها.
ولما كان كل ما سلف ذكره يدخل في نطاق العدوان على سيادة الجنوب الوطنية في مضيق المندب ومحيطه، يكون من نوافل القول إنه لا يزال هناك بعض الوقت لكي تضطلع القيادة الجنوبية برفع الجاهزية العسكرية، وإعادة تنظيم وتأطير المقاومة الجنوبية، من بقي منها، كمؤسسة شبه عسكرية مشهود لها في مواجهة حرب الحوثي وصدّها عام 2015م، في إسناد الجهد العسكري الشعبي بدلًا عن النكف القبلي، وذلك لتأمين المضيق والجبال والتلال المطلة عليه، والحفاظ على السيادة الوطنية الجنوبية، وفرض معادلته الإقليمية والدولية، وتقديم نفسه للمجتمع الدولي والمحيط الإقليمي كشريك فاعل في المنطقة في توفير الأمن والاستقرار الدوليين.
والاستفادة من كل ذلك في حل قضية شعب الجنوب ودعمه في استعادة دولته.
لقد حان وقت حضور قيادة الجنوب لالتقاط اللحظة التاريخية الفاصلة؛ فالجنوب وسيادته وأمنه واستقراره واستقرار معيشته واستعادة دولته، في لحظة يكون أو لا يكون، وأمل شعب الجنوب، بعد الله وإرادته، معلّق عليها، ولا ريب في ذلك.