في الحروب، كثيرًا ما ينشغل الجميع بكيفية تحقيق النصر، ويؤجلون السؤال الأصعب: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟
وفي اليمن، إذا انتهت سيطرة الحوثيين عسكريًا، فإن ذلك لن يكون نهاية الأزمة تلقائيًا. فقد تنتهي معركة لتظهر خلافات ظلت الحرب تؤجلها: من يدير المرحلة؟ كيف تُحمى مؤسسات الدولة؟ ماذا عن السلاح؟ وما مستقبل الجنوب والشمال والعلاقة بينهما؟.
ولهذا فإن الاستعداد لليوم التالي يجب أن يبدأ قبل أن يأتي، لا بعده.
وأولى خطوات هذا الاستعداد هي إعادة النظر في صيغة مجلس القيادة الرئاسي قبل حوار الرياض. فالتجربة أظهرت صعوبة إدارة مرحلة استثنائية من خلال مجلس واسع متعدد الأجندات ومراكز القرار. والمقترح هو الانتقال إلى قيادة مصغرة لا تتجاوز ثلاثة أعضاء، أكثر قدرة على القرار والعمل المشترك، وتعكس بصورة متوازنة واقع الجنوب المحرر والشمال الذي ما زال جزء كبير منه تحت سيطرة الحوثيين، مع شخصية جامعة تحظى بقبول يمني وتفاهم إقليمي، ولا سيما مع المملكة العربية السعودية.
المقصود ليس استبدال محاصصة بأخرى، ولا تغيير أشخاص بأشخاص، بل تهيئة قيادة محدودة ومتماسكة تستطيع إدارة الانتقال من الحرب إلى الدولة، وتوفر مظلة موثوقة لمسارات الحوار وما يتمخض عنها.
ثم يأتي الحوار الجنوبي–الجنوبي المرتقب في الرياض. وقد سبق أن طرحنا رؤية ومبادئ ووثائق للمساهمة في إنجاحه. لكن أمام هذا الحوار فرصة تتجاوز ترتيب البيت الجنوبي.
فإلى جانب توافق الجنوبيين على نموذج حكم عادل يحفظ حقوق محافظاتهم وتنوعها، من المهم أن يحددوا أيضًا رؤيتهم والتزاماتهم تجاه اليوم الأول بعد الحوثي: حماية المواطنين والمؤسسات، منع الانتقام والفوضى، استمرار الخدمات، معالجة السلاح، وعدم تحويل الانتصار إلى غنيمة أو وسيلة لفرض مستقبل طرف على آخر.
وبالمبدأ نفسه، ينبغي أن يتبع ذلك، وقبل اليوم الأول قدر الإمكان، حوار شمالي–شمالي مماثل في الرياض، يبدأ فيه أبناء محافظات الشمال بلورة رؤيتهم لما بعد الحوثي ونموذج الحكم العادل بينهم والتزاماتهم لليوم التالي، على أن تتسع المشاركة كلما سمحت الظروف بذلك.
والهدف أن نصل إلى اليوم التالي ولدينا، قدر الإمكان، رؤية جنوبية ورؤية شمالية وحد أدنى من الالتزامات المتبادلة. ثم تلتقي المخرجات في حوار أوسع حول المصالح والحقوق والضمانات وشكل العلاقة المستقبلية، دون فرض نتيجتها مسبقًا.
لكن اليمن لا يحتاج إلى حوارات جديدة تنتهي بوثائق توضع على الرفوف. ولذلك ينبغي أن تقترن المخرجات منذ البداية برعاية المملكة وآلية متفق عليها لمتابعة التنفيذ وضمانه، بمساندة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
ولا ينتظر التطبيق اكتمال التسوية الشاملة. فما يصبح قابلاً للتنفيذ يبدأ حيث تسمح الظروف، ويتوسع مع الاستقرار واستعادة بقية المحافظات.
من يسبق إلى التحرير والاستقرار والبناء يكون سندًا للآخر، لا وصيًا عليه؛ يبدأ تطبيق ما توافق عليه في محافظاته، ويساند الطرف الآخر حتى يستطيع أن يفعل الشيء نفسه.
وهكذا يصبح المسار واضحًا: قيادة مصغرة ومتماسكة، حوار جنوبي، حوار شمالي يبدأ قبل اليوم الأول قدر الإمكان، ثم حوار أوسع، وضمان للمخرجات، وتنفيذ يبدأ حيث يصبح ممكنًا.
فالخطر ليس فقط أن يستمر الحوثي، بل أن ينتهي الحوثي فنختلف في اليوم التالي على الدولة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نجيب عنه من الآن ليس فقط: كيف تنتهي الحرب؟
بل أيضًا:
كيف نضمن أن يكون اليوم التالي بداية دولة، لا بداية حرب أخرى؟.
* نائب وزير الخارجية الأسبق