بين صخب الأضواء التي تحيط بالأسماء الفردية وهدوء الأثر الذي يصنع الأوطان والمؤسسات، تتشكل ثنائية المجد الشخصي والمجد العام؛ مسافة دقيقة بين صدى الصوت وصوت البناء، حيث يتأرجح الإنسان بين إغواء الحضور المؤقت وخلود العمل الممتد.
فالمجد الشخصي، في جوهره، ذلك الإنجاز الذي يلتصق بصاحبه ويحمله معه أينما حل، ثمرة السعي الفردي والذكاء المبتكر أو الموهبة الفذة التي تجعل الألسنة تلهج بالثناء، وتنسب الفضل لشخص بعينه لأنه "فعل وفعل". هذا المجد يحمل طابعًا براقًا ومباشرًا؛ يمنح صاحبه الحظوة والتقدير الآني، ويجعل من اسمه عنوانًا لكل مكرمة تذكر في محيطه.
غير أن عيب هذا المجد يكمن في ضعفه الذاتي؛ فهو مرتبط بشخص فاني، ويزول بزوال المؤثر أو بانصراف الناس عنه، وربما استهلك صاحبه في استرضاء الأضواء وحراسة الهيبة الشخصية على حساب المضمون الحقيقي.
وعلى الطرف المقابل، يطل المجد العام بمقاييس مختلفة تماماً وأبعاد أكثر عمقًا، متصلًا بالمؤسسات التي تبقى، والشركات التي تثمر، والأوطان التي ترتفع، والمبادئ والقيم التي تضيء دروب الأجيال.
إنه الأثر الصامت الذي لا يبحث عن تصفيق العابرين، بل يرضى بأن يذوب الفرد في سبيل أن ينهض الكل. حين يغرس الإنسان شجرة في أرض عامة، أو يضع لبنة في صرح مؤسسي يخدم المجتمع والأمة، فإنه يتجاوز أسر "الأنا" الضيقة إلى فضاء "نحن" الرحب. هذا المجد لا يزول برحيل صاحبه، بل يكبر وينمو، وكلما مر الزمن زاد رسوخاً، لأنه بني على أساس متين من النفع المتعدي الذي لا ينقطع بموت فاعله.
ولكن، حين يتحول المجد الشخصي من غاية مشروعة إلى صنم يُعبد، ندخل في منطقة بالغة الخطورة والظلمة تبرز فيها آفة الآفات؛ حيث يصبح "الخاص" إلهًا صغيرًا يُضحى بـ "العام" قربانًا على عتبته. صاحب هذا الهوس المدمّر لا يكتفي بالاستحواذ على الأضواء، بل تراه مستعداً لأن يحرق الأخضر واليابس، ويهدم المؤسسات، ويسحق الشركات، ويكسر شوكة المجتمعات، فقط ليبقى اسمه هو اللامع وحده، وتبقى صورته وحدها هي الزاهية.
إنه ينطلق من قاعدة أنانية عمياء: "إما أنا.. وإما الطوفان"، رافضًا أن يكون العام متألقًا أو مستقلًا لئلا يهدد عرشه المصنوع من الوهم، ويسعى لتقزيم كل كبير وتجريف كل طاقة جماعية لكي لا يبرز سوى وميضه الفردي الباهت.
هذا المسلك ليس مجرد أنانية مفرطة، بل هو عدوان سافر وتخريب متعمد، وانقلاب للمفاهيم يتحول فيه النضال المزعوم إلى خيانة موصوفة للمصلحة العليا، وحين ترضى النفوس الضعيفة أو تُبتلى الجماعات بمثل هذا النمط، تفقد المؤسسات عافيتها وتتراجع الأوطان، لأن القرار والفكر أصبح مسخرًا لحراسة "الأنا" لا لخدمة الصالح العام. إنها العداوة الكبرى؛ عداوة الفرد لنفسه ومجتمعه، حين يرضى أن يكون ملكًا على رماد، وسيدًا على خرابة، شريطة ألا يشاركه في ذلك الرماد أحد، وشريطة أن يبقى مجده المزعوم معلقًا ولو على أكتاف المأساة والدمار.
وحين تخرج هذه المعاني من تجريدها الفلسفي لتلامس واقع المؤسسات والكيانات، تظل العبرة الخالدة قائمة؛ فالتنظيمات والإدارات والهيئات والمؤسسات العامة بمختلف أشكالها وأنواعها شرايين تنبض بحياة مجتمع بأسره، وتبقى الأيام كفيلة بأن تفرز الغث من السمين، وتترك الأسماء العابرة تحت رماد الأنانية، بينما يظل البنيان الحقيقي والأصيل لمن أخلص للعام ولم يستعبد العام للخاص.