الاثنين, 19 أكتوبر 2026
107
إن الاحتشاد الجماهيري الفارق الذي شهدته جغرافيا الجنوب الممتدة من العاصمة عدن إلى ساحل حضرموت وواديها، ومن شبوة إلى المهرة وسقطرى، استجابةً لدعوة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، ليس مجرد حدث سياسي عادي، بل هو التجلي الناصع لإرادة شعبية عارمة تضع الجميع أمام حقيقة سياسية موجبة لا تقبل التأويل أو المراهنة على عامل الوقت. لقد هيأ هذا الزحف المليوني استفتاءً حيًا ومباشرًا على أرض الواقع، ليعلن للجميع أن قضية شعب الجنوب ليست ملفًا طارئًا في أروقة الدبلوماسية وعلى متارس الحروب، بل إرادة شعب صلبة تتطلع بثبات نحو تقرير المصير واستعادة الدولة وسيادتها الكاملة.
وتتنزل هذه الحشود كرسالة سياسية بالغة الدقة والعمق للداخل والخارج على حد سواء، مفادها أن الاستقرار المستدام لا يولد في فراغ، ولا يمكن هندسته بتجاوز تطلعات أصحاب الأرض الحقيقيين، إذ إن أي تسويات ترتكز على تجاهل هذه الخريطة الشعبية محكوم عليها بالتعثر، فالسلام الحقيقي والفاعل لا يستقيم إلا بالشراكة العادلة واحترام الحقوق الوطنية المشروعة للشعوب في تقرير مصيرها وحماية مقدراتها.
وفي هذا السياق، يمد الجنوب يده بمسؤولية وطنية خالصة نحو الشركاء في الإقليم والعالم، مؤكدًا أن مشروعه الوطني لا يتقاطع أبدًا مع المصالح الإقليمية والدولية، بل يمثل ركيزة صلبة لتدعيمها، لا سيما أن الموقع الجيوسياسي الاستثنائي للجنوب على امتداد بحر العرب والبحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب يفرض التزامًا راسخًا بحماية خطوط الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية، فشعب الجنوب، ممثلًا بالمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، يدرك تمامًا حجم مسؤوليته الإقليمية والدولية، ويعي جيدًا كيف يوازن بين حقوقه السيادية وواجباته المشتركة.
وتأكيدًا لهذا المبدأ، فإن الشراكة الموثوقة مع الأشقاء والأصدقاء تبدأ من الاعتراف بالقرار السياسي الجنوبي واحترام إرادته، وليس بالالتفاف عليها، ذلك أن دولة الجنوب المستقرة وذات المؤسسات المتماسكة ليست مصدر تهديد لأي طرف، بل هي الحصن الأمني المنيع في وجه الفوضى ومخاطر التطرف التي تهدد أمن المنطقة برمتها، والضمانة الأكيدة لتحويل الممرات المائية الحيوية إلى شرايين آمنة للتجارة العالمية.
ختامًا، لقد قال شعب الجنوب كلمته الفصل، وأصبح لزامًا على المجتمع الإقليمي والدولي قراءة هذه المتغيرات بعين العقل والموضوعية، والتعامل مع قضية الجنوب كجزء جوهري لا يتجزأ من حلول السلام المستدام في المنطقة، فالتاريخ لا ينتظر المترددين، وإرادة الشعوب أصلب من أن تُكسر أو تُلغى، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال الشجاع من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول الحقيقية، لتلتقي إرادة شعب الجنوب في تقرير مصيره مع معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي.
* أمين عام هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي