الاثنين, 19 أكتوبر 2026
105
لليمن أهمية استراتيجية معروفة، يضاعفها موقعه المشرف على باب المندب وقربه من طرق التجارة الدولية. غير أن هذه الأهمية تصبح عبئًا حين تختزل القوى الدولية البلاد في موقعها الجغرافي، وتقيس أزمتها بمقدار ما تُحدثه من اضطراب في الملاحة. عندئذٍ قد يتحرك العالم سريعًا لحماية تدفقات التجارة، فيما تتراجع أولوية حماية حياة الناس، واستعادة مؤسساتهم، وبناء اقتصاد يستطيعون العيش منه.
هنا يكمن الفرق بين تأمين الممر البحري وبناء السلام. فقد تنخفض المخاطر التي تواجه السفن، بينما تظل على اليابسة أسبابٌ قادرة على تجديدها: سلطة السلاح، وتآكل المؤسسات، وانقسام القرار، واقتصاد يتغذى من استمرار الصراع. وقد تنجح ترتيبات الردع في احتواء تهديد محدد، لكنها لا تصنع وحدها دولة قادرة، ولا تمنح المجتمع أمنًا مستدامًا.
ومن منظور اقتصادي، يدفع المواطن الكلفة الأثقل حين تطول إدارة الأزمة. فالاضطراب يرفع مخاطر الاستثمار والتجارة، ويضعف فرص العمل، ويستنزف الموارد التي يُفترض أن تتجه إلى الكهرباء والمياه والتعليم والصحة. وتصبح المفارقة أشد قسوة عندما تُخصَّص إمكانات ضخمة لحماية مرور الثروة بمحاذاة السواحل، بينما تتضاءل فرص إنتاجها داخل البلاد.
ولهذا، ينبغي أن تقترن المقاربة الأمنية بمسار اقتصادي ومؤسسي واضح: تمكين المؤسسات من أداء وظائفها، وإخضاع الموارد للمساءلة، ودفع الرواتب بانتظام، وإحياء الأنشطة المنتجة، وتوسيع فرص الشباب. فالميناء الآمن يحتاج إلى مدينة مستقرة، والمدينة المستقرة تحتاج إلى مؤسسات موثوقة وعدالة وفرص عيش. وكل فصل بين هذه الحلقات يؤجل المشكلة ويزيد كلفة العودة إليها.
وتظل قضية الجنوب جزءًا أساسيًا من أي نقاش جاد حول المستقبل. فتجاوز جذورها السياسية والتاريخية، أو التعامل مع تطلعات أبنائه بوصفها تفصيلًا مؤجلًا، وجوهرها يتلخص في استعادة دولتهم التي يسعون بحماس واعٍ إلى تحقيقها، يضعف فرص التسوية واستدامتها. المطلوب عملية سياسية تعترف بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم، وتضمن تمثيلًا حقيقيًا لأصحابها، وتتيح معالجة عادلة تحترم إرادة الناس وحقوقهم، بعيدًا عن صفقات تُبرَم فوق رؤوسهم.