أربعون عاما على نكسة حزيران

«الأيام» الرئيس علي ناصر محمد:

علي ناصر محمد
علي ناصر محمد
بعد أربعين عاما من نكسة يونيو / حزيران 1967م، وعلى خلفية ما ذكر حينها من أسباب تتعلق بوجود الجيش المصري في اليمن بأنه من أسباب الهزيمة التي لحقت بمصر والجيش المصري في حرب يونيو 1967م .. فأود هنا أن أتوقف قليلاً عند بعض التقديرات العسكرية حول عوامل هزيمة القوات المصرية.

فقد ذهب عدد من المعنيين من الساسة والمؤرخين إلى أن سبب الهزيمة في الحرب مع إسرائيل يعود، بالضبط، إلى تورط الجيش المصري في جبال اليمن الوعرة وخسائره التي قدرها البعض بأكثر من 15000 شهيد ، وانشغال وحدات فاعلة منه بعيداً عن المعركة مع إسرائيل. وهذا الأمر غير دقيق حيث أنه لم يكن في اليمن آنذاك أكثر من عشرين ألف مقاتل مصري، بعد أن سحب عبد الناصر أضعاف هذا العدد في فترة سابقة، لأسباب تتعلق بالاستعداد للحرب مع إسرائيل. فلا يعقل أن يؤثر هذا العدد المحدود في مجرى الحرب، خاصة أنه تأكد للجميع بمن فيهم العسكريين والاستراتيجيين أن الهزيمة المصرية قد حدثت عبر «ثغرة» ضعف إدارة المعركة وإخفاق الخطط المتعلقة باحتواء هجوم العدو وسوء التقدير بشأن قوته وإمكاناته.. وأسباب أخرى ذات صلة ببنية المؤسسة الحاكمة في مصر.

ثمة من يذهب إلى أنه لو تم الزج في معارك سيناء بالقوات المتبقية في اليمن، لانقلب ميزان المجابهة لصالح مصر. وهو قول يمكن أن يرد عليه حيث أن القوات المصرية البرية لم تستطع القتال بسبب عدم وجود غطاء جوي لها في صحراء سيناء بعد أن ضربت الطائرات المصرية وهي في المطارات.

وبديهي أن الحديث يدور هنا حول العوامل العسكرية للهزيمة، فلا يطال العوامل السياسية أو ذات الطابع الشامل و«الجذري».

وليس أبلغ من الرد على أولئك الذين يعزون أسباب هزيمة حزيران إلى وجود القوات المصرية في اليمن سوى تقييم الرئيس جمال عبد الناصر نفسه لأسباب تلك الهزيمة التي نشرتها مجلة «آخر ساعة» المصرية ، وبالطبع فإن الرئيس عبد الناصر باعتباره الشاهد الأول ومن موقع المسؤولية، والذي يملك التقييم الحقيقي والرؤية الواضحة لما حدث .. لا يذكر من بين الأسباب التي قادت إلى الهزيمة وجود القوات المصرية في اليمن.. وهذه هي النقاط الست التي حددها أسباباً للهزيمة:

1 - الثقة بالنفس أكثر من اللازم، حتى وصل الأمر إلى حد التبجح بهذه الثقة، ورحنا نتكلم ونتكلم حتى صدقنا أننا نستطيع أن نتصدى لإسرائيل وأمريكا، ولم يكن الجيش بالكفاءة التي نقدرها.. وأنا أقول هذا الكلام بصراحة وتحت اسم الأمن جلس ناس في غير مقاعدهم والمثل الظاهر هو الطيران، ونحن للأسف لم نستفد من دروس سنة 1956 - يعني العدوان الثلاثي - ولا من دروس الانفصال، وهكذا بقي صدقي محمود قائداً للطيران 11 سنة بعد السويس!.

2 - اتجاهنا لعدم أخذ الأمور بجدية نتيجة نقص المعلومات، ونتيجة للتراخي في تنفيذ ما يترتب على هذه المعلومات.. وأنا شخصياً حذرت صدقي محمود قائد الطيران وقلت له في آخر اجتماع حضرته برئاسة هيئة أركان الحرب: إن الهجوم سيحصل يوم الاثنين وإن الضربة الأولى ستكون ضد الطيران، وأنا في هذا لم أكن متنبئاً، أنا كنت أحسب حساباً ومقدراً أن ذلك سيحدث!

في البداية قلت إن الحرب واقعة بنسبة خمسين في المائة، ثم قلت إن النسبة أصبحت ثمانين في المائة، ثم وصلت إلى أن الحرب واقعة بنسبة مائة في مائة.. وكلمتهم يوم الجمعة 2 يونيو على أساس أن الضربة قادمة يوم الاثنين 5 يونيو، ويوم السبت قام الطيران بمظلة جوية للإنذار المبكر والاشتباك، ويوم الأحد حدث الأمر ذاته وخرجت مظلة جوية، ويوم الاثنين لم تكن هناك مظلة جوية، وفوجئنا بالطائرات الإسرائيلية فوق مطاراتنا دون أن يشعر بها أحد!

«والكلام مازال للرئيس عبد الناصر»وهذا موضوع نحقق فيه، وكنت أعتقد أن خطتنا للدفاع الجوي مضبوطة، وقد رأيتها على الورق، وجاء نائب قائد الدفاع الجوي السوفييتي، وقابلني ومعه صدقي محمود قبل الأزمة بوقت طويل، وقال لي نائب قائد الدفاع الجوي السوفييتي: إن خطة الدفاع التي رآها على الورق وعلى الطبيعة معقولة جداً، وأنه وخبراءه لاحظوا وجود ثغرات فيها، وقد أخطر بذلك صدقي محمود، وتم الاتفاق على عمل تكملة، ولكن هذا لم يحدث كما يظهر لي الآن، فدفاعنا الجوي أصيب بالشلل.. «لماذا وكيف؟».

3 - القيادة العسكرية عندنا لم تكن مستعدة لتصديق المعلومات التي تأتي إليها، وكان لديهم تصور محدد ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شيء يختلف عن هذا التصور، وعلى سبيل المثال فالروس أبلغونا يوم الخميس أول يونيو عن حجم القوات الإسرائيلية من المدرعات وقالوا إنها تسعة ألوية.. وكانت القيادة عندنا مصممة على أن اليهود ليس عندهم إلا خمسة ألوية.. وقد ناقشنا هذا الكلام في اجتماع يوم الجمعة 2 يونيو وقلت لهم: على أي أساس تقولون إن إسرائيل لديها خمسة ألوية بينما الروس - ولديهم كل إمكانات المعلومات - يقولون إن عندها تسعة..وكان الرد الذي كرره عبد الحكيم عامر وعدد من القادة هو أن معلومات السوفييت مبالغ فيها وهم يهولون لكي يخيفونا ويجعلونا نتردد ولا ندخل المعركة.. وقالوا أيضاً: إن الروس حسبوا فيما يظهر الدبابات الإسرائيلية القديمة من طراز شيرمان وهي لم تعد صالحة للعمل، وبالتالي لا تدخل في الحساب، وكان هذا كله ضمن عوارض الثقة بالنفس أكثر من اللازم مما يجعلك تقلل من العدو!.

4 - ما يذهلني حتى الآن هو أن القيادة العامة بعد ضربة الطيران، أصبحت مثل واحد حصل له انفجار في المخ وأصاب الشلل جسمه كله.

5 - الخطط التي كانت معدة أيضاً كانت محكومة بالثقة بالنفس. وقد دهشنا من أنه لم تكن هناك دفاعات في الخطة وراء العريش، ولذلك فإنه حينما حدث الارتباك والانفجار في المخ، وتمكنت القوات الإسرائيلية من دخول العريش، لم يحدث قتال وراءها في القطاع الشمالي، وإنما اندفعت المدرعات الإسرائيلية على طريق أسفلت جديد كنا بنيناه بين العريش والقنطرة، حتى وصلت دون قتال إلى شاطئ قناة السويس!
6 - الخطط بين الوهم والواقع، أنا قلت للقيادة من البداية إننا حاندخل معركة دفاعية وهي تتفق مع خططنا التي كانت موجودة، مع إمكاناتنا المتوافرة.. ولا أعرف منين ركبتهم حكاية أنهم لازم يبدؤوا الهجوم بينما هو مستحيل من الناحية السياسية.

وفي مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الخرطوم في آب - أغسطس 1967م (بعد الهزيمة بحوالي شهرين) اتفق عبد الناصر والملك فيصل على تجديد الاتفاق المعقود بينهما، وشكلت الهزيمة في الحرب ضاغطاً على مصر للشروع في سحب بقية قواتها من اليمن دون إبطاء، وشكلت لجنة برئاسة محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان وشاركت فيها كل من مصر والسعودية وبعض الشخصيات اليمنية واتفق في الاجتماع الذي عقد في اركويت شرق السودان بتاريخ 29 أكتوبر 1967م على وقف إطلاق النار وأعمال العنف ، وعقد مؤتمر وطني يمني في مدينة يمنية، غير أن الأسابيع اللاحقة شهدت عملية انسحاب القوات المصرية العاملة في اليمن في نهاية 1967م.

ولكنني أريد هنا أن أسجل شهادة للتاريخ أن الوجود المصري في اليمن قد أسهم إلى جانب مشاركتهم في الحرب في خلق نواة الإدارة لأول مرة في اليمن كما أسهم في انتشار التعليم الإعدادي والثانوي بمناهجه الجديدة إضافة إلى بناء وإدارة المشافي وكان هذا عملاً تحديثياً وحضارياً كانت اليمن محتاجة إليه، وهو لا يقل أهمية عن المجهود الحربي.

وعودة إلى مؤتمر قمة الخرطوم التي نتج عنها اللاءات الثلاثة (لا صلح ، لا تفاوض ، لا اعتراف) فللأسف فقد حل محلها (نعم للصلح ، نعم للتفاوض ، نعم للاعتراف) وجرت تلك التنازلات والتراجعات في غياب الزعامات العربية التاريخية أمثال الرئيس جمال عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس هواري بومدين وغيرهم من القيادات العربية الذين شاركوا في قمة الخرطوم، ومنذ ذلك اليوم وحتى اليوم لم تقدم إسرائيل من جهتها أي محاولة أو مبادرة لإيجاد تسوية شاملة وعادلة لإحلال السلام في المنطقة.

وأتذكر أنه بعد أسبوعين من حرب حزيران 1967م قام الثوار في عدن كرد فعل على النكسة وتأييداً ووفاءً لمصر وشعب مصر وللزعيم جمال عبد الناصر بتوجيه ضربة عسكرية لقوات الاحتلال البريطاني في حي كريتر وقتل وجرح في هذه المعركة عدد كبير من قوات الاحتلال وجرت السيطرة على الحي الذي كان يقع في قلب مستعمرة عدن، وبعد ذلك توج النصر بجلاء ورحيل القوات البريطانية عن عدن عام 1967م. وبمناسبة مرور أربعين عاما على تحرير حي كريتر فإنني أتوجه إلى المهتمين بالتاريخ والمشاركين في هذه الانتفاضة لإحياء هذه الذكرى تكريماً لمن شارك فيها ولمدينة عدن الباسلة حاضنة الأحرار والثوار وتخليداً لذكرى من ضحوا واستشهدوا في هذه المناسبة .

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى