رجال في ذاكرة التاريخ

«الأيام» نجيب محمد يابلي:

جغرافية السادة العلويين آل الكاف .. تريم هي موئل السادة العلويين آل الكاف، وورد في معجم بلدان حضرموت المسمى (إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت) للعلامة المؤرخ السيد عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف - ص 490: «تريم هي قاعدة حضرموت..... وقال الهمداني:«وتريم مدينة عظيمة». وقال ياقوت: «تريم إحدى مدينتي حضرموت، لأن حضرموت اسم للناحية بجملتها، ومدينتاها تريم وشبام، وهما قبيلتان سميت باسمهما البلدتان».

أما هارولد انجرامس فقد أورد في كتابه «حضرموت - 1934/1935م» (تعريب: د. سعيد عبدالخير النوبان- ص 146): «أن البلاد التي يحكمها الكثيري شاسعة وتمتد حتى أرض العولقي غربا والمهرة شرقا ومنها مدينة ظفار.... ومن المدن الست أو القرى التي تتبع الكثيري سيئون وتريم، فالعاصمة سيئون مدينة مسورة وبها حوالي 1500 بيت وخمسون مسجدا.... أما تريم ففي طور التقدم ويقدر سكانها حوالي 1500 نسمة وعلى سور المدينة الذي يقدر طوله بخمسة اميال تقريبا خمس بوابات و25 قلعة صغيرة وبالمدينة حوالي 2000 بيت وحوالي 300 مسجد، ويقال أن السادة اهل الكاف بنوا مسجدا له أعلى منارة في حضرموت».

يضيف انجرامس - ص 147: «وتعتمد أغلب مدن الدولة الكثيرية في ثروتها على الهند الشرقية (جزر جنوب شرق آسيا) وتعتبر سيئون وتريم مدينتي علم وحضارة من بين مدن حضرموت، ويعتمد الاثرياء من اهلها على الثروات التي جمعت في المهجر. وبالمنطقة الكثيرية طرق للسيارات ويقال إن عدد السيارات بالدولة الكثيرية اكثر من عددها في بقية مدن حضرموت».

في إفادة انجرامس عن تريم (ص 26) ورد: «وتتميز مدينة تريم ببيوتها الواسعة في نمط يحاكي النمط الملاوي من اللبن والطين، ويكلف بناء بيت واحد في تريم حوالي 60.000 ريال، وتزين البيوت من الخارج بالطلاء الازرق والاخضر والاصفر، كما تجهز البيوت من الداخل بكل الاحتياجات الضرورية الحديثة والاضاءة الكهربائية والمراوح والتلفون. كما أن الحمامات الاوروبية قد وجدت طريقها إلى بعض هذه البيوت....».

التقسيم الجغرافي للهجرة الحضرمية

ارتبط قدر الحضارمة بالهجرة، وهي هجرة إيجابية لأنهم نقلوا إلى تلك الأصقاع، وخاصة شرق آسيا وشرق افريقيا، رسالة الدين والعلم والصحافة، وشقوا الصخر بأظفارهم بعصامية متفردة وكونوا ثروتهم قرشا قرشا وتراكمت لديهم أموال جمة بيضاء تقدر بالمليارات، واقترن ذلك المال الوفير بأعمال الخير لمجتمعهم لأن الحضرمي مرتبط بأرضه ارتباط الشفاه باللثة.

عن التقسيم الجغرافي للهجرة الحضرمية يفيد انجرامس ص 158: «ففيما يتعلق بالهند الشرقية فإن أغلب الحضارم المهاجرين في جاوه هم من آل كثير (مواطنو السلطنة الكثيرية) لكن هناك تمثيلا لكل من سكان تريم ووادي الهجرين (من مدن بدرة وحورة) وقبائل نهد والجعدة، والجالية الحضرمية في سنغافورة هي أساسا من مدن تريم وسيئون وقبائل نهد، وحين تتجه إلى شرق افريقيا فأغلبية المهاجرين من قبائل تميم وآل باحيدرة وقبائل حجر، ولزنجبار (التي توحدت في ستينات القرن الماضي مع تنجانيقا وسميت تنزانيا وعاصمتها دار السلام) علاقات بالمدن القديمة كالشحر ولهذا السبب يدعى كل حضرمي في محمية زنجبار بالشحري، وعلى البحر الأحمر تجد مهاجرين من وادي دوعن في مصر وجدة والحبشة والسودان، وهناك قلة من وادي حجر في جدة ومن شبام ونهد في السودان والحبش».

الحضارمة أهل استقامة في بلاد المهجر

يورد انجرامس إفادات عن إحصائيات الحضارم في بعض مناطق المضايق ومنها سنغافورة (ص 166) وعن الجالية الحضرمية في سنغافورة جاء في إفادته: «وتعتبر الجالية الحضرمية في سنغافورة أغنى الجاليات لكثرة ممتلكاتها من البيوت والأراضي ويقول لي وارنر (المجلة الجغرافية - مارس 1933م) يملك الحضارم كل شوارع سنغافورة وبيناتج وأغلبهم من القبائل الكثيرية ويبدو أن الجالية قد استثمرت ثرواتها في شراء الأراضي والبيوت لتجنب الربح الذي لا يتفق مع الشريعة الإسلامية».

كما أفاد انجرامس بأن الحضرمي لا يتدخل في الحياة الاجتماعية المحلية أو السياسية بل يحصر نفسه في مجموعته، فهم محافظون وتجار جيدون ومحترمون ونزعتهم الوطنية لحضرموت ويحترمون ويطيعون قوانين الموطن الجديد، واستطرد في إفادته بأن الحضارم الأصليين يحتفظون بولاء للوطن الأم ومن هؤلاء السيد عبدالرحمن بن شيخ الكاف والسيد عبدالرحمن بن جنيد الجنيد. (لمزيد من الاستفادة حول هذا الموضوع يرجى قراءة كتاب «الحضارم في الارخبيل الهندي» للدكتور مسعود عمشوش).

السيد شيخ بن عبدالرحمن الكاف

يفيد السيد بن عبيدالله (مرجع سابق - ص 517): «وأغنى أهلها (أي تريم) بل أهل حضرموت في الزمن الأخير على الإطلاق الفاضل السيد شيخ بن عبدالرحمن بن أحمد الكاف، وكان مع ذلك لطيفا صالحا متواضعا يحب العلم وأهله.... توفي بتريم سنة 1328هـ (1910م) عن جملة أولاد أنجبهم: حسين وعبدالرحمن وأبوبكر، وقد كان ابن عمهم الحسن بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أحمد الكاف معدودا في جملة علماء تريم وأدبائها....... خسر العلم بتريم وغيرهم خسارة كبرى بموته عام 1346هـ (1928م)».

الولادة والنشأة

السيد أبوبكر بن شيخ بن عبدالرحمن بن أحمد الكاف من مواليد سنغافورة عام 1890م لأسرة كريمة من السادة العلويين وموئلهم تريم، ورغم أن أسرة السادة آل الكاف هاجرت إلى سنغافورة من اندونيسيا عام 1852م إلا أن التاجرين الحضرميين السيد محمد بن هارون الجنيد وابن أخيه السيد عمر بن علي الجنيد سبقاهم في الهجرة إلى سنغافورة عام 1819م وهاجرت إليها بعد ذلك أسرة السيد السقاف عام 1824م. (راجع ما كتبه الزميل الباحث سند بايعشوت في سلسلة «من أعلام حضرموت» عن السيد أبوبكر الكاف في «الأيام» - 9 مارس 2005م).

السيد أبوبكر الكاف صانع السلام

في إفادة ضمنها د. مسعود عمشوش عن معاهدة الاستشارة بين السلطنة الكثيرية في وادي حضرموت وبريطانيا في موضوع موسوم (قراءة أولى في موقف المؤرخ محمد أحمد الشاطري تجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري) في الكتيب المكرس لتأبين العلامة المؤرخ الاديب والمصلح الاجتماعي السيد محمد أحمد بن عمر الشاطري- ص 43 ورد فيها: «يبدو أن عوامل ذاتية واجتماعية وعلمية قد تضافرت وتداخلت في تشكيل موقف الأستاذ المؤرخ محمد أحمد الشاطري الحذر تجاه معاهدة الاستشارة بين السلطنة الكثيرية في وادي حضرموت وبريطانيا التي وقعت سنة 1939م بعد جهود ومساع كبيرة بذلها كل من انجرامس والسيد أبي بكر بن شيخ الكاف».

لدعم عملية السلام وردت إفادة قدمها انجرامس (مرجع سابق - ص 145) بأن آل الكاف في تريم يدفعون 12.000 ريال سنويا إلى الخزانة وأن المصاريف السياسية لحماية الامن بين تريم والقبائل المجاورة تصل أحيانا إلى 4000 ريال يتحملها كاملة آل الكاف. وفي إفادة اوردها الزميل بايعشوت (مرجع سابق) أن المستر انجرامس المستشار البريطاني المقيم في المكلا اختلف مع قبائل الحموم ونوح ونهد والخامعة والحالكة، فاستشرت الفتنة فهددت السلطات بقيام الطائرات الحربية البريطانية بشن غارات جوية على مناطق تلك القبائل، فقام السيد أبوبكر الكاف بمساع حميدة بين القبائل والحكومة إلا أن قبائل الحموم رهنت قبول الوساطة بحضور السيد الكاف بنفسه، فقام رحمه الله بزيارتهم وأصلح الامر وجنب مناطق القبائل مخاطر الغارات الجوية عليها.

السيد أبوبكرالكاف يتصدى للمجاعة

ضربت المجاعة أرض الوادي في بواكير الثلاثينات من القرن الماضي وتأثر الزرع والضرع وخاض الانسان معركة المصير من اجل الحياة أو الصراع من أجل البقاء، وهي سُنة الكائنات، إلا أن الرجال معادن وكان السيد أبوبكرالكاف معدنا نفسيا فارتقى إلى مصاف الحدث فأنفق المال والوقت والجهد للتصدي لتلك الآفة التي كادت أن تودي بأهله وناسه فأنشأ المطابخ لإغاثة ضحايا المجاعة واقترب من ربه كثيرا لينعم برضاه ويوسع له سبل الرزق وخزائنه سبحانه وتعالى لا تنضب.

السيد أبوبكرالكاف يستوعب جوهر التنمية الاجتماعية

يشير انجرامس (مرجع سابق- ص 145) إلى أن أسرة الكاف تحملت نفقات عيادة وطبيب في تريم وسيئون وأنه اثناء زيارته للمنطقة كان الدكتور البنجابي في اجازة وأن أحد الصيادلة أنابه اثناء غيابه وبلغت تكاليف العيادة 1000 ريال شهريا، كما انهم كانوا ينفقون 2000 ريال شهريا على حالات اجتماعية خاصة.

ويشير انجرامس ايضا إلى أن السادة آل الكاف تحملوا تسيير المدارس الكثيرية، وكان هناك رباطان دينيان يتم الصرف عليهما من وقف لتدريس الدين والفلسفة، وأحد هذين الرباطين في سيئون ويقدر طلبته بحوالي 40 طالبا، والآخر في تريم ويستوعب حوالي 120 طالبا، كما كان آل الكاف يديرون مدرستين في تريم وكان الحضور في واحدة منهما حوالي 400 طالب من بينهم 54 طالبا من أبناء أسرة الكاف، أما الاخرى فمدرسة عامة يتراوح عدد طلابها بين 300 و400 طالب كما كان آل الكاف يديرون مدرسة أو اثنتين في الخريبة في وادي دوعن في المنطقة القعيطية، وأسرة الكاف هي الأسرة الوحيدة التي كانت تتعهد الانشطة التربوية على نطاق واسع في ارجاء اللواء ويعتقد انجرامس أن آل الكاف كانوا يساعدون المدارس الخاصة في المكلا والشحر.

أما الوالي البريطاني السير توم هيكين بوثم Sir Tom Hickinbotham فقد افاد في كتابه المرجعي (aden) ص 147 بأن المحسن الكبير السيد أبوبكرالكاف ( k.b.e ، اي فارس الامبراطورية البريطانية) قد تحمل على نفقته الخاصة انشاء اول طريق للسيارات من وادي حضرموت إلى المكلا أي انه ربط وادي حضرموت بالبحر مباشرة ولاول مرة بكلفة اجمالية قاربت المليون جنيه.

التكريم الاول للسيد أبوبكرالكاف

تقديرا لدوره البارز في عملية صنع السلام في حضرموت والذي شهدت به 99 شخصية من وجهاء حضرموت وقعت على عريضة في بواكير عام 1938م شهد فيها الوجهاء بالدور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي لعبه السـيد أبوبكر بـن شيخ الكـاف، قامـت الادارة البريطانية بتكـريم السيد الكاف عندما انعمت عليه في العام 1938م بلقب رفيق الامبراطورية البريطانية Companion of the British Empir .

التكريم الثاني للسيد أبوبكرالكاف

قامت جلالة الملكة اليزابيث الثانية بزيارة لمدينة عدن يوم 27 ابريل 1954م ونظم لها حفل استقبال رسمي كبير عند رسو اليخت الملكي البريطاني (بريتانيا) في رصيف امير ويلز رصيف السياح حاليا بمدينة التواهي، وشارك في استقبالها شخصيات رسمية واجتماعية بارزة من عدن ومحميتي عدن الغربية والشرقية، وكان لسلطنتي القعيطي والكثيري الحضرميتين حضور بارز تمثل في شخصيات عامة واجتماعية رفيعة المستوى منها السلطان صالح بن غالب القعيطي والسلطان حسين بن علي الكثيري والسلطان حسين بن صالح الكثيري والسلطان عبدالله بن محسن الكثيري والسيد أبوبكر بن شيخ الكاف والسيد صالح بن علي الحامد والمقدم عبدالله بن مرعي بن طالب والشيخ الامين عبدالماجد والسيد عمر المحضار بن علوي الكاف والشيخ قدال باشا والشيخ جهان خان والمشايخ أحمد باصرة ومسلم بلعلا وأحمد بن ناصر البطاطي وعمر باسويد والسيد أحمد العطاس.

جرى احتفال رسمي لتكريم عدد من الشخصيات البارزة وكان في مقدمتهم السيد أبوبكر بن شيخ الكاف الذي انعمت عليه جلالة الملكة اليزابيث الثانية بوسام فارس الامبراطورية البريطانية Knight of the British Empire واستثني السيد الكاف من احد الشروط البروتوكولية يقضي بالركوع امام جلالتها فالركوع لله وحده، واكتفى السيد الكاف بان وضع ركبته اليمنى على كرسي. (بايعشوت -مرجع سابق).

السيد أبوبكرالكاف وفيلم انجرامس

في العام 1953م قام المستر هارولد انجرامس بزيارة خاصة لحضرموت بمناسبة انتهاء مهمته كمستشار للدولتين القعيطية والكثيرية الحضرميتين، وارتكزت الزيارة ايضا على موضوع الفيلم الذي تدور قصته حول كتاب انجرامس المرجعي (بلاد العرب والجزر- Arabia and the ises ). تلامس المعالجة السينمائية قضايا استراتيجية شغلت هاجس الحضارم آنئذ وفي صدارتها قضية الامن وحضرموت والمشاريع الاصلاحية والتنموية التي شهدتها البلد والايادي البيضاء للسيد أبوبكر الكاف وهو من الشخصيات البارزة في الفيلم ولا يختلف اثنان أن توطيد السلام الاجتماعي بين القبائل قام على كتفي السيد أبوبكر الكاف وهارولد انجرامس. (بايعشوت - مرجع سابق).

رحيل الرجل الكبير السيد أبوبكر بن شيخ الكاف

في يوم مجلل بالسواد من ايام عام 1958م نعى الناعي انتقال السيد الفاضل الجليل أبوبكربن شيخ الكاف إلى رحمة ربه، ويصف جون دوكر، احد الضباط السياسيين البريطانيين في حضرموت ذلك الخطب قائلا: «كنت في سيئون يوم وفاته حيث اجتمع مئات المشيعين من كافة انحاء حضرموت لإلقاء النظرة الاخيرة على الراحل السيد الكاف، وقد انضممت شخصيا لذلك الجمع الحاشد خلف جنازته وفي مراسيم دفنه. قرعت الطبول وناحت النساء من الشرفات بالعويل والنحيب. لقد كان صباحا حارا في ذلك اليوم في سيئون.

ارتفع الغبار ليحرك الهواء الساكن واخيرا تجمعنا في القصر الطيني لزوج ابنته مشهور بن حسين الكاف لتقديم واجب العزاء والمواساة لافراد اسرته الكريمة».

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى