ظاهرة الصرف الخاطئ واللاعقلاني للأدوية من الصيدليات:أما آن الأوان لوضع المعالجات العملية للحد منها !

«الأيام» د.علي محمد سعيد الأكحلي:

نشرت صحيفة «يمن أوبزرفر» الأسبوعية اليمنية في عددها الصادر 24 مارس 2007م موضوعاً باللغة الإنجليزية مترجماً من العربية (1) يتحدث عن دراسة قدمت إلى قسم طب المجتمع التابع لكلية الطب – جامعة صنعاء كجزء من متطلبات التخرج قام بها فريق من الطلبة الباحثين تحت إشراف رئيسة القسم. وكانت الدراسة معنونة بـ «الصرف اللاعقلاني للأدوية من الصيدليات في مدينة صنعاء» ، حيث تم مسح 230 صيدلية (تم اختيارها بشكل عشوائي) خلال عامي 2005 و 2006 المنصرمين من أصل 515 صيدلية عاملة في مدينة صنعاء (أي بنسبة %45) هدفت الدراسة إلى تحديد التالي:

(1) ما مدى شيوع ظاهرة صرف الأدوية من الصيدليات الى المواطنين بدون وصفات وبحسب شرح المريض.

(2) ما هي أنواع الأدوية التي صرفت بهذا الشكل (المجموعة العلاجية التي تنتمي إليها).

(3) ما مدى العلاقة بين المستوى الثقافي للمشتغلين في الصيدليات (صارفي الأدوية) و حدة هذه الظاهرة.

وقد خلصت الدراسة إلى الآتي:

(1) %70 من الأدوية المصروفة عبر هذه الصيدليات في مدينة صنعاء كانت تصرف بشكل غير منطقي ولاعقلاني (Irrational) ! كما لم يكن شرح استخدامها صحيحاً من قبل صارفي الأدوية للمرضى.

(2) شكلت ثلاث مجموعات علاجية نسبة %50 من هذه الأدوية (2) وهي : (أ) أدوية مهدئات الألم الاستوريدي (مثل الباراسيتامول والأسبرين) بنسبة %20.

(ب) المضادات الحيوية مثل الأموكساسيللين ومجموعة السيفالوسبورين بنسبة %15 .

وقد شكل صرف المضاد الحيوي (الأموكساسيللين) لوحده حوالى %50 من إجمال المضادات الحيوية التي صرفت بدون وصفة!

(ج) أدوية مهدئات الألم غير الاستيرويدي (مثل الكوداين/ الترامادول) بنسبة %15 .

(3) %25 فقط من المشتغلين لديهم شهادات جامعية (بكالاريوس صيدلة) مقابل %50 لديهم دبلوم فني صيدلة (سنتين بعد الثانوية) أو دبلوم عال (ثلاث سنوات بعد الثانوية) و%7 من تخصصات طبية أخرى (مثل مختبرات أو تمريض عام) . أما نسبة الـ %18 الباقية فقد كانوا من خريجي معاهد وكليات لا تمت إلى الصيدلة بشيء (مثل شريعة وقانون/ أدب إنجليزي.. الخ(3) !). وقد لاحظ الفريق أن هناك %5 من صارفي الأدوية كانت أعمارهم تحت السن القانونية (سن 18سنة) (4).

إن هذا الصرف العشوائي للأدوية بحسب الدراسة قد حدث في مدينة صنعاء (العاصمة) ، ولنتصور جميعاً ما هو الوضع الذي سيكون عليه عند الصيدليات الكائنة خارج عواصم المحافظات، وخصوصاً ما يتعلق بالمستوى الثقافي والعلمي للمشتغلين في تلك الصيدليات! بالتالي ، وإذا ما أردنا بالفعل الحد من هذه الظاهرة آخذين في الاعتبار الوضع الحالي للصيدليات والمعقد نوعاً ما ، فإني أتمنى على وزارة الصحة أن تقوم بالخطوات التالية :

(1) توجيه الهيئة العليا للأدوية بإنجاز الدليل الإرشادي لأدوية البيع على النضد (OTC Directory) بأسرع وقت ممكن ، والذي تحدد فيه نوع الأدوية التي تعالج الأمراض الشائعة والتي يمكن صرفها بدون وصفة طبية . وكلمة OTC هي اختصار لثلاث كلمات باللغة الانجليزية وتعني «على النضد» (Over The Counter) وهي ما درج على تسميتها بين ممتهني الصيدلة بـ«أدوية الكاونتر».

(2) إصدار قانون جديد للصيدليات يتم فيه تصنيف جديد لهذه المنشآت الصحية ، بحيث تقسم إلى «صيدليات» و«مخازن أدوية» وتحدد اشتراطات جديدة للراغب في فتح وإدارة «صيدلية» (Pharmacy) وكذا الاشتراطات المطلوبة لفتح وإدارة «مخزن أدوية» (Drug Store) .

ومن اشتراطات فتح الصيدلية مثلاً: (أ) أن يكون الموقع في مبنى خال من السكان ويكون لديه رخصة البلدية والدفاع المدني مع صورة من كاروكي المبنى. (ب) أن يكون صاحب الصيدلية مسجلاً بالغرفة التجارية. (ج) مساحة غرفة العرض والبيع = 24 مترا مربعا (4×6 أمتار) على الأقل إضافة إلى غرفة خاصة بالإدارة مع غرفة إضافية للخزن. (د) تحديد مواصفات تشطيب المحل وتحديد الأدوات والمستلزمات المفترض توفرها مثل مكيف هواء، ثلاجتين ، أجهزة مكافحة حريق الخ.. (و) ضرورة توظيف عدد (2) صيدليين قانونيين متفرغين إلخ.

أما اشتراطات فتح مخزن أدوية، فهي اشتراطات الصيدلية نفسها مع تعديل عدد الغرف وحجم المساحات مع توظيف صيدلي قانوني واحد (بدلاً عن اثنين) متفرغ + موظف آخر يحمل دبلوم صيدلية. وللعلم، فإن هذا التصنيف للصيدليات موجود في بعض دول الخليج مثل دولة الإمارات.

(3) تقوم الوزارة بعد ذلك بإشعار الصيدليات العاملة حالياً بتكييف وضعها مع الشروط الجديدة خلال سنة (مثلاً)، ومن لا يستطيع توفير هذه المتطلبات الجديدة سيتم تحويل صيدليته إلى مخزن أدوية. الفرق بين الصيدلية والمخزن هو أنه سيسمح للصيدلية ببيع كافة الأدوية سواء تلك التي تصرف بوصفة طبية أم بدون وصفة ، إضافة إلى المستلزمات الطبية الأخرى وحليب وأغذية الأطفال وأدوات التجميل الخ.. أما مخزن الأدوية ، فلن يسمح له بالبيع غير تلك الأدوية التي تصرف بدون وصفة طبية والمذكورة في دليل أدوية الكاونتر، إضافة إلى المستلزمات الطبية / حليب وأغذية الأطفال وأدوات التجميل. كل الصيدليات الحالية الكائنة خارج المحافظات ستعتبر مخازن أدوية فقط، وكل الصيدليات العاملة داخل مستشفيات الدولة أو المستشفيات الخاصة سواء في المدينة أم الريف بالضرورة يجب أن تلبي شروط الصيدلية النموذجية أو تقفل! قد يقول البعض بأن مخازن الأدوية ستتضرر جراء هكذا تصنيف وسينخفض دخلها ، وأقول لهم نعم قد يكون هذا صحيحاً في البداية ولكن بإمكان هذا المخزن التحول إلى صيدلية في أي وقت من السنة عندما يكون قادراً على تلبية شروط فتح الصيدلية، والمجال مفتوح له دون قيد. ويجب أن يدرك الجميع أن الدواء ليس سلعة للإثراء وتحسين دخل الفرد على حساب أرواح الناس، وإذا كان لابد من الإثراء فمن الأفضل لصاحب المخزن أن يقفل مخزنه و يمتلك بقالة أو يتاجر في أي شيء آخر بدلاً عن بيع أدوية يهدد سوء صرفها حياة المواطنين .

(4) توزيع دليل أدوية الكاونتر على الأطباء كافة (بالتنسيق مع مكاتب الصحة بالمحافظات ونقابة الأطباء)، مع إشعار الطبيب بضرورة كتابة الأدوية المذكورة في الدليل على روشتة مستقلة . أما الأدوية غير المشمولة في الدليل فيجب كتابتها على روشتة منفصلة خاصة بها. كما يجب إشعار الأطباء بطباعة دفتر روشتات بمواصفات جديدة تكون كل روشتة مكونة من أصل زائد صورتين مكربنتين، تسلم الأصل مع نسخة مكربنة للمريض وتبقى النسخة الثانية في دفتر الطبيب.

(5) توزيع دليل أدوية الكاونتر على الصيدليات و مخازن الأدوية. سيقوم الصيدلي في الصيدلية بصرف الأدوية المذكورة بالدليل بدون روشتة مع إلزامه بضرورة صرف الأدوية الأخرى (غير المشمولة في الدليل) فقط بوصفة طبية، حيث سيقوم المريض بتسليم أصل الروشتة للصيدلي وسيحتفظ بالنسخة التي بيده عند حاجته لها كمرجع (وهي عادة يتفرد بها المواطن اليمني فقط، وهي ليست معمولة في الدول الأخرى!). سيحتفظ الصيدلي بأصول الروشتات لكل يوم على حدة في ملف خاص ، وسيتم النزول من قبل مفتشي مكتب الصحة إلى الصيدليات والذين سيكتفون بأخذ الوصفات من الصيدلية وعمل استلام لها . هذه الخطوة تعتبر ضرورية حتى يتعود المواطنون على ضرورة تسليم الروشتات الأصلية إلى الصيدلية من ناحية ، وكذا تأقلم المشتغلين في الصيدلية مع نظام الاحتفاظ بالوصفة للمساءلة ضمن نظام آخر سيتم تطبيقه مستقبلاً من ناحية أخرى. أما مخزن الأدوية فسيقوم ببيع الأدوية المذكورة في الدليل فقط وبدون روشتات.

وقد علمت أن إدارة المخدرات والمؤثرات العقلية بالهيئة العليا للأدوية قد قامت مؤخراً بتوزيع كشف بالأدوية المراقبة إلى الصيدليات في أمانة العاصمة مع منشور يلزمهم بالتقيد بصرف هذه الأدوية بموجب روشتات طبية فقط .

كما قامت هذه الإدارة بإلزام الشركات المصدرة بطباعة فقرة خاصة بالعربية (إن هذا الدواء مراقب ولا يباع إلا بوصفة طبية) على الأغلفة بمداد خاص لا يمحى وإلزام المستوردين بفتح سجلات مراقبة المخزون الوارد والمنصرف مع توضيح اسم الصيدلية التي تم تموينها بمثل هذه الأدوية (تم منع المستوردين من بيع هذه الأدوية إلى تجار الجملة، بسبب رفضهم فتح سجلات رقابة) . وستقوم هذه الإدارة في وقت لاحق بتحديد الصيدليات النموذجية الموجودة في أمانة العاصمة والتي تكون قد: (أ) فتحت السجلات المطلوبة عبرنظام كمبيوتري، (ب) أفردت غرفة خلفية بعيدة عن أعين المواطن خاصة بخزن الأدوية المراقبة، (ج) التزمت بصرف هذه الأدوية بموجب روشتات طبية مع الاحتفاظ بها .

وستكون الخطوة التالية هي إلزام المستوردين ببيع الأدوية المراقبة إلى الصيدليات النموذجية فقط . والمطلوب من الوزارة دعم هذه الخطوة من خلال تعميمها على بقية المحافظات .

وبقيت خطوة أخيرة مطلوبة من الهيئة العليا للأدوية وهي أن تقوم بتسليم نسخة من الكشف الخاص بالأدوية المراقبة للأطباء الاختصاصيين (بالتنسيق مع مكاتب الصحة بالمحافظات ونقابة الأطباء) لكتابة أصنافها على روشتة منفصلة تختلف من حيث اللون والحجم والمواصفات عن الروشتة الأولى (تقوم وزارة الصحة بتحديدها بشكل رسمي) وتكون من أصل زائد نسختين مكربنتين ، حتى يكتمل النظام المطلوب.

إن ظاهرة الصرف الخاطئ واللاعقلاني للأدوية يجب أن تتوقف ، وعلى الجميع التكاتف بالحد منها . إن تنفيذ مثل هذه الخطوات ليس بالمستحيل ، وأدل على ذلك ما قامت به إدارة المخدرات والمؤثرات العقلية بالهيئة العليا للأدوية، فهي أفعال إجرائية لا تكلف شيئاً ، بينما مردودها سيكون عظيماً على طريق تَشجيع الممارسة الجيدة للصيدلة في الصيدليات للحد من هذا العبث الحاصل حالياً ، وخطوة نحو تنظيم مهنة الصيدلة عموماً ، وهي تتطلب من المسئولين المعنيين فقط الجرأة في اتخاذ القرارات اللازمة ومتابعة تنفيذها خدمة للصالح العام.

هامش :

(1) الترجمة كانت ركيكة وغير موفقة .

(2) صنفت الهيئة العليا للأدوية المجموعات العلاجية إلى 14 مجموعة (الكاتب).

(3) كاتب المقال .

(4) أعتقد شخصياً أن النسبة هنا هي %10 على أقل تقدير.