حكاية نزوح

عصام عبدالله مسعد مريسي​

بعد أن انهار المبنى، كانت هي بنت الرابعة عشرة وأخيها ابن الست السنوات الناجيان من الموت تحت الانقاض عند قصف طيران النظام، فكانت الأخت تقوم بكل شؤون أخيها الصغير وهما في مخيم النزوح حتى أجمعا أمرهما وحزموا ما بقي معهما من متاع للخروج مع بعض سكان المخيم للنزوح إلى خارج الحدود السورية مع تركيا، وفي طريق النزوح تعثرت الفتاة الصغيرة وتأخرت عن موكب النازحين وهي تارة تحمله تارة تجره خلفها.
تلتفت من حولها، واذا بموكب النازحين قد تلاشت معالمه، فإذا بها وأخيها وحيدان في غابات يكسوها بياض الجليد وهما يرتعدان من شدة البرد وجسماهما النحيلان بدت عليهما علامات الفاقة والمرض وهي في شدة ضعفها تحاول أن تبعث العزيمة والقوة في نفس أخيها الصغير قائلة له: نكاد أن نصل، لا تخف.
كان الصبي شديد الثقة بأخته الكبرى بل أمة، تشابكت يداهما النحيلتان وهما يتابعان المسير نحو المصير المجهول الذي كلما اتجها نحوه ازداد غموضاً وعتمة، سواد الليل قد غشى ملامح الجليد والبرد قد داعب العظام والجوع قد أنهك البطون الخاوية، لا شيء يؤكل غير كرات الجليد، نام الصبي على حجر أمه الصغيرة ولا شيء يبعث على التدفئة، جسده يرتعد تقلب بصرها علها تجد شيء تدفئة به فلم تلحظ شيء غير جسدها الذي اضناه المسير وقلة الزاد فترتمي عليه كي تدفئه ويدب دفء جسدها فيدفئه حتى يستيقظ، يحاول دفعها فيناديها تارة أختي وتارة أمي.. أمي انهضي، فقد طلع الصباح.. لكنها لم تجب، فيعاود النداء.. أختي.. علينا متابعة المسير، علنا نلحق بموكب النازحين.. هيا انهضي.
لكن الاخت لم تجب ولن تستطيع ان تجيب فقد فارقت روحها المنهكة الجسد وانتقلت إلى عالم آخر، يستمر الصبي في مناجاة أخته ويحاول إيقاظها ودفع جسدها بعيداً عن جسده وكفاه الصغيرتان تداعبان خصال من شعر أخته يقدم رأسه يطأطئ نحو خديها يقبلها، عيناها مطبقتان يحاول فتحهما لكنهما مطبقتان، فقد تصلبا.. يدرك الصبي ما حصل لأمه الصغيرة هو نفس الشيء الذي حصل لأمه وأبيه تحت القصف لم يكونا يجيبان على ندائه وعيونهما أطبقت ولم تفتح، عندها يرفع الصبي صوته بالبكاء والعويل: أمي لا تتركيني وحيدا.. أمي أفيقي.
تنزل دمعة حارة على جسد أخته المسجى بلحاف من الجليد وهو جالس يقلب الجسد الذي فارق الحياة، يستمر الجليد بالتساقط حتى غطى جسد الأخت الحنون والصبي ينفض الجليد الساقط على جسده وهو يجمع كل جسده حتى يخفف من إحساسه بالبرد والوحدة ورأسه ملقى على جسد أخته الراحلة.