اللجنة الاقتصادية.. والهروب إلى الأمام

محمد نجيب

«يجب عليكم التركيز على محورين مهمين، يتمثل الأول في تنمية الإيرادات، وذلك من خلال اتخاذ كافة الإجراءات في مختلف المجالات تؤدي لتوريد كافة إيرادات الدولة إلى البنك المركزي مثل الضرائب والجمارك وغيرها من الإيرادات، والعمل على تصدير النفط من كل الحقول في مأرب وشبوة وحضرموت وتصدير الغاز من بلحاف».

كانت هذه بعضا من توجيهات فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي بتاريخ 2 سبتمبر الجاري  أثناء اجتماعه بـ «اللجنة الاقتصادية» بحضور نائبه ودولة رئيس الحكومة لمعالجة الأوضاع والأحوال الاقتصادية المتردية، وتدهور أسعار صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأمريكي إلى مستويات لم يسجلها من قبل إطلاقاً، والتي أدت مجتمعة إلى تدهور ملموس وملحوظ في حياة ومعيشة المواطنين دفعهم إلى النزول في مظاهرات واحتجاجات كبيرة مدعومة بتطبيق اعتصامات عامة وشاملة شلت وأوقفت كل نواحي الحياة والأنشطة في المحافظة.

وتعتبر «اللجنة الاقتصادية» مجلسا يضم كوكبة من كوادر تنفيذية مصرفية سابقة لبنوك يمنية ومحافظ سابق للبنك المركزي والمحافظ الحالي ووزراء المالية والنفط والتخطيط والتعاون الدولي والثروة السمكية والزراعة. وقد كان من الأهمية لو أن اللجنة تضمنت عنصرا أو أكثر من الكادر النسائي المتمكن والمتخصص.

 ويبدو جليا أن مهام ووظائف وصلاحية هذه «اللجنة» بحسب التوكيل المعطاء لها من قبل فخامة الرئيس يجعلها أقوى جهة استشارية اقتصادية في الهيكل التنظيمي للسلطة وتتبع مباشرة رئيس مجلس الوزراء.

وفي ظرف 96 ساعة عقب اجتماعها مع فخامة الرئيس، أصدرت «اللجنة» بلاغاً صحفيا تناولته وسائل الإعلام المحلية، أعلنت وشددت فيه على «انتهائها واستكمالها» للمهمة التي وضعها لها فخامة الرئيس (انظر أعلاه لمعرفة المهمة)؛ بل إنها أشارت إلى «انتهائها» من إعداد آليات حل المشاكل المتعلقة بتقديم الخدمات المصرفية التي يحتاجها قطاع الأعمال، ولا سيما السلع الأساسية والمشتقات النفطية. وقد كان هذا التكليف «الإضافي» (خلال الـ96 ساعة) طلبا مباشرا من دولة رئيس الوزراء. وعليه قامت «بوضع آليات» لحل المشاكل المتعلقة بتقديم الخدمات المصرفية الدولية. اللجنة تعثرت وأخطأت!!، وتقصد «التمويل لمنتجات التجارة الدولية- International Trade Finance Products»، وهو أحد الخدمات البنكية والتي تتعامل مع منتجات وأدوات في مجالات الاستيراد والتصدير كالاعتمادات المستندية والضمانات والتحاصيل بكافة أنواعها.. إلخ».

وأكدت اللجنة، في نفس البلاغ، على استقرار سعر صرف الريال (الذي كان يحوم عند مستوى «570» ريالا لكل دولار- أهذا استقرار؟!) مقارنةً بـ600 ريال قبل شروعها في مهامها الرئاسية في 2 سبتمبر.. هذا الهامش الذي يراوح الـ10 في المائة وفي ظرف زمني قصير لا يتعدى 2-3 أيام هو تذبذب طبيعي في أسعار صرف العملات الهشة والرخوة، مثلاً كالعملة الفنزويلية أو الإيرانية وعملتنا إلى حد كبير... مقارنةً مع عملات دولية أو حتى إقليمية حيث لا تكون مستويات الارتفاع أو الهبوط إلا في نطاق ضيق؛ 05.-1 في المائة.

وللحسرة فتوقعات اللجنة بتحسن سعر الصرف خلال الأيام القليلة القادمة (!!) قد خيبت الآمال. فقد بدأ سعر صرف الريال مقابل الدولار بالهبوط مجدداً إلى مستويات الـ600 ريال للدولار.
 وماذا عن استخراج وتصدير النفط الخام والمشتقات النفطية؟ تفيد اللجنة (بنفس البلاغ الإعلامي) من أنها وضعت آليات «الحل» لهذا القطاع الاستراتيجي في الاقتصاد الوطني وبما يكفل تغطية الاستهلاك المحلي. ولا ندري هل تمت مفاوضات بين اللجنة وبين شركات النفط الأجنبية المستخرجة والمنتجة لنفطنا الخام خلال الـ 96 ساعة؟ نحن نعلم أن هناك اتفاقيات تقاسم للنفط المستخرج بين الدولة والشركات الأجنبية المتواجدة. أما «الحل» الذي يخص موضوع تأمين المشتقات النفطية للسوق المحلي فيبقى مبهما! هل تفاهمت اللجنة مع المستوردين الحاليين أو مع مصفاة التكرير بعدن أو مع الجهتين الاثنتين؟. وعليه (بحسب اللجنة) ستخف الضغوطات على سعر صرف الريال. كما تضمنت «آليات» اللجنة تصدير الفائض من النفط الخام. لتعزيز موارد البلد (الوطن) من العملة الصعبة. وللمعلومية، فإن  اللجنة لم تشمل قطاع «تصدير الغاز المسال» برغم ذكره من قبل فخامة الرئيس وذلك لأهميته كأحد القطاعات الاقتصادية المهمة ورافد فاعل للعملة الصعبة ويعمل على تخفيف مستوى «مارد» البطالة.
إلى هنا، وبحسب البلاغ الإعلامي، أكملت اللجنة الاقتصادية «مهامها»!!!
وأن، أي اللجنة، على استعداد لتنفيذ أي «مهام» أخرى تكلف بها...

يا جماعة يا أهل الخير بالله عليكم كيف تتنظرون من فخامة الرئيس أن يصحح ويقوم ويوجه أمور البلاد والعباد إلى بر الأمان والسلامة ونحن نتأخر ونتقاعس ونخذله بأعمال وتوصيات وحلول ومخرجات ضعيفة وهزيلة وغير كفؤة كالتي أقدمت عليها «اللجنة الاقتصادية « ولا تصل إلى الحد الأدنى من المستوى المطلوب والمتوقع من الإبداع والحلول.. إلخ.

وضع حلول وأجوبة وأطروحات لمسائل معقدة ومتجذرة، كالاقتصادية، وفي بيئة تنعدم فيها الحد الأدنى من البيانات والإحصائيات لبناء نموذج يفي بالحد المعقول والمنطقي من المخارج والأجوبة التي ستوصلنا إلى هدفنا، لا يتم بين لحظة وأخرى (96 ساعة).
 ماذا يعني «استعدادكم» لتنفيذ أي «مهام» أخرى تكلفون بها؟!!!. أنتم... ماذا لديكم؟
أين روح «المبادرة»؟ وبما أنكم نخبة الاقتصاد والمال في البلاد أليس لكم علم ودراية وإدراك بالمشاكل الكبيرة والكثيرة الاقتصادية والتي يعاني منها الوطن؟
أين تحليلاتكم وتفسيراتكم للاقتصاد «الكلي» (الناتج المحلي الإجمالي، النمو، البطالة، التضخم الميزان التجاري... إلخ) وجذور مشاكله وصعوباته المزمنة الراسخة؟
أين مناقشتكم وتفسيراتكم وتقييمكم للسياسة النقدية والمالية؟
أين ذكركم للقطاع «المصرفي» ووضعكم لسياسات وخطط لإحيائه، نظرا لأهميته كشريان للاقتصاد؟
مشاكل لن تجعلنا نخطو خطوة واحدة إلى الأمام على درب النمو والتقدم الاقتصادي... بل على العكس ربما ترجعنا خطوات إلى الوراء حين تنتهي هذه الحرب اللعينة.. قريباً بإذن الله..
أوليس لدينا مستوى عال جداً من التضخم جرف مستوى معيشة وحياة المواطن إلى قاع القاع.

أوليس هناك درجة عالية ومخيفة من البطالة، خاصة على مستوى طبقة الشباب؟
أوليس هناك كم خرافي ومخيف قائم من «الدين العام»، المحلي والخارجي والتبعيات القاتلة لخدمة هذا الدين؟ هل وضعنا خارطة طريق تمر عبر نادي باريس والبلدان المدينة لشطب كل و/ أو جزء كبير من الدين السيادي (بالعملة الصعبة) و/أو إلغاء/ تخفيض نسب الفوائد على هذه الديون؟
ألا نعيش في بيئة طاردة «للاستثمار»؟ كيف نعكسها؟ اطرحوا المسببات والحلول، لأن الاستثمار سيكون واحدا من أهم قنوات البناء وإعادة البناء (الإعمار) مستقبلا.

بنيتنا الأساسية (الفوقية والتحتية) القديمة والمتهالكة والتي تضررت بالحرب؛ ماذا لو أوجدتم تصورات لتمويل صيانتها وتجديدها وإحلال غير الصالح بالجديد؟
ألا يعاني «قطاعنا المالي» من هزال وضالة وتقزم في حجمه ومؤشراته الحيوية كالرسأميل وجودة أصوله والسيولة التي جففها انكماش الاقتصاد - الناتج المحلي الإجمالي (لا إنتاج ولا خدمات) وأذون الخزينة الحكومية والتي طوعت لتمويل عجوزات المالية العامة المستدامة والمزمنة؟ أوصوا بضوابط للإنفاق العام ووضع مؤشرات للمالية العامة.

عليكم يا «اللجنة الاقتصادية» أن تبادروا من تلقاء أنفسكم في الكشف عن «مكامن الضعف والإخلالات» في هياكل الدولة الاقتصادية عموما.. والبدء بدراسات وبحوث مكثفة وعلى مستوى يليق بالأمانة التي أنيطت بكم من لدن فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي، ولكن على درجة عالية ومتميزة من المهنية والحرفية في تخصصاتكم وأنتم لديكم وتملكون سجلا حافلا ومشهودا من الإنجازات والنجاحات..

ولكن كيف لنا أن نقبل بـ «آليات» حلول لمهمة مستحيلة وصعبة (كالتي أوكلت إليكم) تم الانتهاء منها في ظرف 96 ساعة برغم علمنا وعلمكم بانعدام / غياب الأرقام والإحصائيات الدقيقة المطلوبة و/ أو غير موثوقة حتى وإن وجدت، حول العديد من النواحي وبالذات الاقتصادية..

السؤال، لو أن هذه اللجنة الاقتصادية طلب منها أداء مهمة مماثلة في بيئة تتوفر فيها قاعدة بيانات وإحصائيات وإمكانيات قاعدة بيانات متطورة ودقيقة وحديثة، فما هي المدة التي تحتاجها لتنفيذ مهماها؟ الجواب ربما كانت (اللجنة) لتنجز وتنهي عملها في أقل من 24 ساعة... 
 لم يطلب فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي من اللجنة سرعة الرد أو الهروب إلى الأمام... رسالة فخامته كانت واضحة ومحددة... فنعمل بها...​