الأدب: الابن العاق

*شيرين أبو النجا

وما نفع الأدب؟ كان سؤالا يدور في الغرف المغلقة همسا لكنه أصبح الآن معلنا دون شعور بأي غضاضة في طرحه. يأتي السؤال ليحمل في طياته أزمات عالمية وقناعات يمينية نيوليبرالية لا تحتكم سوى إلى السوق والربح. يُمكن إذن تعديل السؤال إلى: ما الربح الذي يحصده الأدب؟ والمقصود بالربح هو عدد الأصفار التي تتراص على يمين أي رقم. والإجابة سهلة، الأدب لا يحصد أي ربح بهذا المفهوم. لكن العالم الآن في القرن الحادي والعشرين لا يرى وجودا أو كينونة سوى في تلك الأصفار، السيطرة على السوق، الشركات العابرة للقارات، وبالطبع الحروب التي تحصد مكاسب أيضا من السيطرة على أراضي النفط والغاز وبيع الأسلحة. كيف يجد الأدب مكانا في هذه المنظومة؟ ومن هنا يعود الصراع بين العم والعلوم الاجتماعية إلى الظهور بقوة لكن هذه المرة لا يشوب الصراع أي تكافؤ في علاقات القوة، فالعلم- الطب والصيدلة والهندسة والفيزياء وعلوم الحاسب الآلي- يحتل المكانة المسيطرة في حسابات الربح والخسارة في حين يحاول الأدب والدراسات الأدبية والنقدية التشبث بآخر مساحة متاحة في الجامعات.
ظهرت بوادر الأزمة في إنكلترا عندما أعلنت مارغريت ثاتشر- رئيسة الوزراء آنذاك- إلغاء تدريس الأدب في الجامعات لأن لا طائل من ورائه. وبالطبع اندلعت حملة قوية لمواجهة هذا القرار وعلى رأسها المفكر والناقد الماركسي تيري ايغلتون. لم يصدر القرار لكن النتائج الملموسة كانت كارثية فقد تم تخفيض الميزانية الممنوحة لأقسام العلوم الإنسانية وهو ما يعني ضرب البحث العلمي في مقتل. وعلى إثر ذلك، قامت المجالس البريطانية في العالم الثالث بتخفيض الميزانية المخصصة لمنح الماجستير والدكتوراه وازدادت ميزانية الطب والهندسة، وهو ما كان له تأثير مباشر على اختيار التخصصات في العالم الثالث. تحول سوق العمل إلى المعيار الحاكم والمهيمن على اختيار التخصص ومن هنا لم يعد هناك أي حرج في طرح سؤال «ما نفع الأدب؟» توارت أهمية القيمة الروحية والنفسية والبعد الجمالي لصالح القيمة المادية والنفعية والبناء المعماري. لا عجب أن بيل غيتس كان قد دعا الشباب في أميركا إلى التخصص في الهندسة وعلوم الكمبيوتر لأنها تفتح آفاق المستقبل، وذلك بالرغم من أن سوزان ووجسيكي- الرئيسة التنفيذية لقناة يوتيوب- قد تخصصت في الأدب والتاريخ.
ظهرت نفس الأزمة في الولايات المتحدة في عهد رونالد ريغان- حيث التوجهات اليمينة بامتياز- وهو ما حدا بالراحل إدوارد سعيد إلى كتابة عدد من المقالات تناول فيها معنى النقد الأدبي ودور الناقد، حيث نجحت سياسات ريغان في عزل هذا الأخير عن التأثير في دوائر صنع القرار حتى أصبح النقد الأدبي مجرد جزيرة معزولة لا تجتذب القراء لكونه مجالا يُوظف لغة متخصصة ومصطلحات لا يفهمها سوى من هو جزء من هذا المجال. بهذا العزل ترسخت فكرة عدم نفعية الأدب سوى أنه قد يكون أداة لتمضية الوقت على الشاطئ.
إذا كانت الأزمة تجلت بهذا الوضوح في العالم الأول الذي نستورد منه الأفكار ونتبعه في سوق العمل وحساب الربح، العالم الذي يضعه الأهل نصب أعينهم عندما تحين لحظة اختيار التخصص، العالم الذي تتطلع إليه حكوماتنا قبل إصدار أي قرار بداية من شن حروب وانتهاء بفرص سوق العمل، فكيف تكون تجليات الأزمة في بلادنا؟ لم تدخر الأزمة جهدا لتتجلى سريعا، فمنذ بداية انتشار تعليم الفتيات في العالم العربي تحولت أقسام الأدب واللغات تقريبا إلى أقسام «نسائية». وسادت فكرة مفادها أن الفتيات يدرسن الأدب في حين أنه من الطبيعي أن يتوجه الشاب لدراسة الطب والهندسة. كما أن الفتاة التي تختار مجال الطب يُنظر إليها بريبة وشك لأن هذه الدراسة تُعطل مسيرتها المرسومة لها من زواج وإنجاب. يحمل هذا التقسيم للتخصص القائم على الجندر عدة دلالات ليس لها جدية التخصص أو الوقت المطلوب للتعمق فيه، بل أيضا تلوح مسألة سوق العمل، حيث تقتضي الأعراف أن يكون الرجل مسؤولا بشكل اقتصادي عن الأسرة. نعود مرة أخرى لنفس المعيار: سوق العمل.
آن الأوان أن نطرح مسألة البعد الجمالي والثراء الإنساني التي تنتج عن الأدب، وأن نفند مفهوم القيمة، وأن نعيد لدراسة الأدب المكانة التي كان عليها في عصر النهضة مثلا. باستعراض كل مظاهر القبح التي مر بها العالم- ولا يزال- منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، وبتذكر الأيديولوجية التي ارتكزت عليها التيارات المتطرفة، والانغلاق النفسي الذي يتعملق في مجتمعاتنا، يُمكن أن نستعيد أهمية الأدب -قراءة ودراسة- لأنه الوسيلة الوحيدة التي تُوسع الأفق الإنساني وتضعنا على بداية طريق قبول العالم المختلف. لكن أمر يستدعي جهودا جماعية وحملات منظمة وليس مجرد آراء فردية.  
* نقلاً عن موقع ضفة ثالثة​