إلى تجار العلم

مازن الشحيري
العلم والتعليم هو المقياس الذي تقاس به حضارة الشعوب على مر التاريخ، والأجيال المتعلمة هي الثروة الحقيقية لأي دولة وأي شعب، وهي مصدر قوته.. لذلك كل الثورات التي قامت في العالم ومنها ثورة 14 أكتوبر فى بلادنا أحد أهدافها الأساسية هو توفير التعليم لأجيال الوطن وضمان مجانيته. وعلى هذا الأساس سالت دماء الأحرار والأبطال وأزهقت الأرواح لتحقيق هذا الهدف السامي والنبيل.

لكن للأسف، نحن في زمن يباع فيه كل شيء وأى شيء حتى التعليم والعلم فقد تنفق الأسرة كل ما تملك لكي توصل ابنها أو ابنتها للتخرج من الثانوية العامة للالتحاق بالجامعة التي من المفترض أنها الجامعة الوطنية التي بنيت وشيدت من أموال وتضحيات هذا الشعب، لكن ينصدمون بواقع مر وأليم، فعلى سبيل المثال إذا تقدم ابنهم لكلية الطب في جامعة عدن بعد عناء طويل فلا مجال أمامه للاتحاق بكلية الطب حتى لو كان من المتفوقين والمبدعين، فالكلية لا تقبل غير خمسين طالب فقط من أبناء الشعب (الفقراء) حتى وإن كان فارق العلامات أقل من درجة بل أجزاء مئوية من الدرجة بينه وبين آخر المقبولين، لكن ليست هنا المشكله فقط، لكون الجامعة تفتح أبوابها على مصرعيها بعد ذلك لطبقة (النبلاء) الذين يستطيعون أن يدفعوا آلاف الدولارات رسوم لأبنائهم لدخول كلية الطب حتى ولو كان معدله متأخرا بعلامات كثيرة عن أبناء الشعب الفقراء الذين أفنوا حياتهم في الدفاع عن هذا الوطن، لكن كل ذنبهم أنهم (فقراء)، كل ذنبهم أنهم ليس لديهم (وساطات)، كل ذنبهم أنهم (أبناء هذا الوطن).. فحتى الخمسين مقعدا المخصصة لعامة الشعب الأغلبيه الساحقة منها تذهب لأصحاب الوساطات وأبناء الدكاترة في جامعة عدن وأقربائهم.

فعن أي وطن تبحثون وعن أي وطن تدافعون وأي وطن تبنون وأنتم تتاجرون وتبيعون كل شيء به؟!! ألم تسمعوا عن طلاب ذهبوا ليدرسوا في بلدان أوربية وتم منحهم الجنسيات والأعمال في تلك البلدان فقط لأنهم متميزون ومبدعون؟ هكذا يتم معاملة ومكافأة العقول المتعلمة حتى في البلدان التي لا ينتمون لها، ليس حبنا فيهم ولكن حبا في بلدانهم لمعرفتهم أن تلك العقول هي من تبني الأوطان وهي رأس المال والتجارة الحقيقية. 

لكن للأسف، القائمون على التعليم الأكاديمي عندنا رغم أن الأغلبية الساحقة منهم درست وتعلمت ووصلت لما وصلت إليه من مكانة علمية على حساب الدولة ومن قوت هذا الشعب، وأغلبهم كان مثل أبناء أولئك الفقراء، ولولا ذلك لكانوا الآن لا يختلف حالهم عن حال أولئك الفقراء والآن تبحثون عن التجارة والأموال على حساب هؤلاء الفقراء على حساب بناء الأوطان! كم بالله ستجنون من أموال وماذا تساوي تلك الأموال مقابل صناعة دكتور ناجح ينقذ آلاف الأرواح، مقابل مهندس مبدع يبني الأوطان، مقابل آلاف الأسر الفقيرة التي سوف تجني ثمار جهدها ونضالها الطويل لتعليم أبنائها، كما سيجني الوطن أيضا تلك الثمار، فعن أي تجارة تبحثون.. فتباً لكم ولتجارتكم تلك.

لن نخوض في تفاصيل التعليم فى بلادنا فهي لا تخفى على أحد، فقد أصبحت من الروضة إلى الجامعة للمقتدرين وأصحاب الأموال ولا مكان للفقراء فيها، لن نخوض في الظلم الحاصل على المعلمين خصوصا في المراحل الأساسية للتعليم في البلاد وسرقة مستحقاتهم التي هي بالأساس لا تليق بمربيي الأجيال.. في العالم كله تعتبر مهنة التعليم من أسمى الوظائف ويتقاضى المعلم أعلى دخل، طبعا عن البلدان التي تبني أوطانها أتحدث وليس على البلدان التي تتاجر بأوطانها،  لن نخوض في كل هذا، فالكلام أكبر وأكثر من أن نذكره في مقال.

لكن نذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، عسى الله أن يفتح قلوب وعقول من تبقى فى قلبه إيمان بالله وبهذا الوطن لتصحيح وضع التعليم في بلادنا فهو المفتاح الأول والأساسي لمن أراد أن يبني الأوطان.. وبداية الطريق لإصلاح التعليم هو وقف التجارة بالعلم. ​