عدسة ممتلئة إضاءة يوجهها د. سمير لمفكرين تميزت أطروحاتهم بالعمق والثراء المعرفي

قراءة/ رعد الريمي

يعري كتاب أ.د. سمير عبدالرحمن هائل الشميري بكتابه «قامات فكرية وإبداعية سامقة»، الصادر مؤخراً عن دار ثقافة للنشر والتوزيع- الإمارات، جملة من أدعياء الثقافة الذين يقفون وراء المصالح النفعية والذين لاهم لهم سوى تحقيق مآربهم المكشوفة والمتمثلة بتحقيق (الأنا المزيفة، والشهرة الساذجة المسطّحة، والثراء الفقير، والضوء الذي غالبا ما يكون باهتا وخافتا ومفضوحا)، كما يكشف بكتابه ما حل بالفضاء العمومي والفكري من تلويث وما مارسوه من ضجيج حجب فتائل التنويرين.

إذ يصول ويجول الشميري في كتابه العاشر في ظلال فيافي وقفار يانعة، اشتقها من نصوص إبداعية وفكرية وتنويرية لقامات فكرية وإبداعية سامقة تركت آثاراً حميدة في عقولنا ووجداننا.
غير أني بهذا الإفصاح الذي انتهجه أ.د. عبدالرحمن الشميري أجده يقف في ثوب الجدية والصرامة لمواجهة الصمت على الخطأ والمؤدي إلى عواقب معروفة، كاشفا عن هدفه في ناصية كتابه بقوله: لشحذ همم العقول الشابة للإبداع والاقتفاء.

سيرة مفخخة معرفيا
د. سمير الشميري
وقبل التمرغ في صفحات هذا الكتاب النافع يسرنا استعراض سيرة هذا الجبل المعرفي الثقافي حيث تخرج أ.د. سمير عبد الرحمن هائل الشميري من كلية علم الاجتماع جامعة موسكو، وحصل على لقب الأستاذية في حقل علم الاجتماع، ويشغل حاليا رئيس قسم علم الاجتماع – كلية التربية – جامعة عدن.

إن ما يميز هذا الجبل المعرفي والثقافي هو غزارة نتاجاته التي تنتشر فيها فروع الحقيقية وثمار الفائدة، حيث تزيد عدد نتاجات الدكتور في إحصائية أولية عن 230 متنوعة بين مساهمة ومقالة وبحث ودراسة، علاوة على نشره العديد من الأبحاث العلمية في مجلات أكاديمية عربية وأجنبية، واشتراكه مع ثلة من المثقفين العرب في خمسة كتب ثقافية وتنويرية، بالإضافة إلى إسهاماته المتميزة في الفضاء الثقافي الإلكتروني العام.

تجذبك كتب الدكتور الشميري التي تجد فيها الصوت العالي للحق والكلمة الواضحة التي تؤشر للخطأ وتدعو إلى تصحيحه، مجسدا في ذلك مسؤولية المثقف الحقيقي، حيث صدر للدكتور عشرة كتب: العصبية وتجلياتها في المجتمع اليمني المعاصر، القات وشيوع تعاطيه في المجتمع اليمني، سوسيولوجيا انحراف الأحداث في اليمن، في فضاء الكلمة الحرة، محاضرات في علم الاجتماع السياسي، المجتمع المدني والمواطنة المتساوية، المرأة في زمن العولمة، مشكلات اجتماعية من منظور سوسيولوجي، القراءة عنوان للثقافة والتمدن، والكتاب الذي نحن بصدده «قامات فكرية وإبداعية سامقة».

بصمات لقامات تنويرية
وعطفاً على الكتاب وما تضمنه يجدر الإشارة إلى أن الهدف من هذا الكتاب أفصح عنه المؤلف بقوله: «لرصد مظاهر اعتلال المجتمع والخراب النفسي والأخلاقي والحياتي الذي كسر العقول النيرة وقيد الطاقات المبدعة بالهزيمة والخمول والانصياع لصوت الباطل الذي اتسعت مساحته».
فالكتاب عبارة عن بحوث متنوعة نشرت بعضها والبعض الآخر لم ينشر، تركزت هذه البحوث على دراسة البصمات التنويرية أمثال أ.محمد علي لقمان والخطاب التنويري للأستاذ أحمد محمد نعمان، وأهم قسمات هذا الخطاب التنويري.

لقمان رائدا عدنيا
يمتعك الكاتب وهو يحط خلف كل سيرة خاتمة تلخص وجهة الشخصية، الأمر الذي يجعلك تناظر هذه الشخصية من زاوية مختلف جداً وبعيدة عن التناول المستهلك، حيث يقول عن الأستاذ محمد علي لقمان «ليس غريبا أن تبزغ في سماء الثقافة والتنوير شخصية متنورة ومتفتحة كالأستاذ محمد علي لقمان، فبيئة عدن الثقافية والحضارية تركت بصمة عزيزة في مسيرته التنويرية، لأن تطوير القدرات الإبداعية لدى المرء منذ الطفولة لا ينفصل عن العملية الشاملة للتنشئة الاجتماعية والثقافية والتنشئة التعليمية».

محمد لقمان
ويقول: «وغني عن البيان القول إن الأستاذ لقمان يعتبر رائداً للرواية اليمنية حيث ألف رواية (سعيد 1939م) وترجم الرواية الهندية زهرة الآلهة (كميلا ديفي) إلى العربية، بينما يعتبر الأستاذ أحمد البراق رائد القصة القصيرة في اليمن حيث دشن عمله القصصي بقصة «أنا سعيد» في نوفمبر 1940م».

لم تكتفِ المتعة العطرة التي استطعمنا حلوها في شخصية لقمان حتى يقدم لنا الكاتب بطبق آخر لا يقل عن سابقه طراوة وحلاوة من خلال قراءة سوسيولوجية في خطاب النعمان التنويري، إذ يقول: الخطاب التنويري للأستاذ أحمد محمد نعمان يفيض بالحيوية والديناميكية وبدفقات حارة من الصدق والمحبة للمظلومين لم يكن خطابا صلداً ولا متحجراً ولا خطاباً عارياً من المعاني والمقاصد المحمودة، بل كان خطابا مترعاً بروح الانتماء للوطن مغموساً بالهم اليومي يحلم بالحرية وبحياة خالية من البطش والقيود والأقفاص الحديدية والتعذيب وإذلال آدمية الإنسان بنيران النسيان.

إذ يفتتح فصله الثاني بخطوات هادئة للفصل الثاني لتعريف القارئ إلى سوسيولوجيا العاطفة والإبداع عند الشاعر/ لطفي جعفر أمان، وتأثير التنشئة الاجتماعية على موهبة هذا الشاعر مع توضيح الذكاء العاطفي ومفردات سوسيولوجيا الإبداع الشعري عنده.

ليلخص للقارئ نظرته تجاه هذا العلَم الحر باستعراض شامل للبيئة المحيطة للشاعر المكونة له، ويقول «الفضاء الاجتماعي والبيئة الأسرية والبيئة المدرسية والمكانية التي نشأ وترعرع فيها الشاعر/ لطفي جعفر أمان تميزت بالليبرالية والحرية والانفتاح، وتركت بصمة عزيزة في عقله ووجدانه، ودفعت به للتشبع بالثقافة الكلاسيكية التراثية والثقافة الحديثة مع إجادته اللسان الإنجليزي، وصقلت موهبته الأدبية، وشجعت فيه روح الإبداع والتفاعل الثقافي والاجتماعي والإنساني وتكوين الشخصية الإبداعية، ومنحته شحنة فريدة من التكامل والتناغم والاتساق بين العناصر الإبداعية الثلاثة: العقلية، والانفعالية، والسلوكية».

ويتابع «وبما أن الشاعر لطفي جعفر أمان عاش في بيئة حرة وديمقراطية ومتمدنة، فقد كان جريئاً لم يقع في بوتقة التردد والخوف ولم يشكك قط في قدراته الإبداعية والشعرية، كان جريئاً في أشعاره وتصرفاته وسلوكه ومساجلاته الفكرية وفي أفكاره ومعتقداته».
لطفي أمان

ثم يدلف الكاتب ليطلع القارئ على الشاعر عبد الرحمن فخري الذي تميز شعره بالغموض واللمسات الفنية الراقية، كما أطل المؤلف في الفصل الثاني على إبداعات القاص أحمد محفوظ عمر واصفا إياه بأنه القاص الذي يخط أفكاره في مساحة صمت، واصفاً المؤلف عملية الإبحار في أعماق الأعمال القصصية للقاص أحمد محفوظ عمر عمل شاق ولذيذ.

 قائلاً: «فقصصه صنف من أصناف السهل الممتنع، تبدو للوهلة الأولى بسيطة وسهلة الفهم، لكنها عميقة وثرية بالرموز والصور والخيال الخصب والتعابير والدلالات المكثفة، فهي تجليات لنجوى إبداعية داخلية من الصعوبة الغوص في أعماقها، جميلة الجرس ومتقلبة وحمالة أوجه، تحمل أكثر من معنى ومن دلالة وتفتح نافذة للتأويلات والرسائل المشفرة وتجمع ما بين العتمة والوضوح في أعماق مضطربة مسكونة بالغربة والقلق والتقلب والتوجع وسفر التيه والحيرة والمضض الروحي واضطراب الهوية».

«الأيام» توظيف حاذق للكلمة
وكرس المؤلف خاتمة كتابه من خلال فصله الثالث باستعراض واسع لمكانة صحيفة «الأيام» العدنية في الفضاء الإعلامي وتأثيرها الكاسح في الفضاء العمومي ومحاربة هذا الفضاء وحجبها ومصادرتها من قبل السلطة السابقة.


كما عمل المؤلف على إرفاق الفصل بملحقات عبارة عن مقالات للمؤلف تصب في بوتقة التضامن مع صحيفة «الأيام» ضد ممارسات الإرهاب والمنع والحجر والتضييق عليها، والعذابات التي تعرضت لها هذه الصحيفة الشائقة، مع إشارات مكثفة إلى الوضع العام المأزوم الذي يئن بالفساد والظلم والشقاء والفقر والفوضى.

وفي اعتقادي أن أجمل ما قاله الدكتور هو ما ذكره في الملحق رقم (2)، والذي عنونه بـ «هل يحق لهشام باشراحيل الحصول على بطاقة هوية وجواز؟»..
«إن صحيفة «الأيام» مارست الحرية بوعي ولم تكترث بالدسائس والممارسات الخبيثة وبلغت حداً بعيداً في العمق والمهارة الصحفية، فأصبحت ملء السمع والبصر، جميلة الجرس، عالية اللذة، رغم أنها محاطة بحقول شائكة من الألغام».