صبري موسى صاحب.. حادثة النصف متر وفساد الأمكنة!!

ممدوح فرج

صبري موسى

ولد صبري موسى في محافظة دمياط بدلتا مصر عام 1932، لأب يمتهن التجارة في مصيف رأس البر، وعن تأثير مكان ولادته عليه يقول “ولدت في قارب وعشت صباي بين النهر والبحر حيث المساحات الواسعة من الماء، حيث التأمل والخيال بعيدًا عن زحام المدينة، وأيضا الصحراء التي شكلت وعيًّا جديدًا لدي، هذا المجهول ساعدني في عملي كصحفي في (صباح الخير)».

فساد الأمكنة
وصف غالب هلسا رواية “فساد الأمكنة” قائلا “هذه رواية فذة، اقتحمت عالما عربيا صعب المسالك”، ليست العبقرية في الرواية التي حكى فيها سيرة ذلك القادم من جبال القوقاز ليقدمه إلينا عبر وليمة جبلية، وإنما العبقرية في جعل هذا القديس القوقازي يتوحد مع سكونية وصوفية الجبل الذي حلّ في جسد الجد الأكبر كوكا لوانكا، ويأخذنا في نهاية الرواية في مشهد أسطوري لبطله الذي يجسد ملامح البطل الإغريقي وهو يقتاد ابنته إيليا التي جعلها على اسم زوجته التي قالت له في لحظة عشق: سأتركك لمصير مُفْجِع امتثالا لقانون المكان.

تعزف كتاباته وارتحالاته في دروب الصحراء على رفض قاطع للمدينة وشرورها، تلك التي لم تسلم منها الصحراء ببكارتها وطهرها، فما إن حل إنسان المدينة عليها حتى لوثها وفض بكارتها. كما صور في روايته “فساد الأمكنة” التي بدأ كتابتها عام 1968 بعدما بات ليلة في صحراء الدرهيب على حدود السودان فولدت في داخله بذرة الرواية بعد أن زار المكان عام 1963، ثمّ زار الدرهيب مرّة ثانية أثناء عبوره لزيارة ضريح أبي الحسن الشاذلي وعندها تأكّد له أنه لا بدّ من زيارة هذا المكان والإقامة فيه وهو ما تحقق بعد أن وافقت وزارة الثقافة على تفرغه وبدأ الكتابة في مستهل عام 1968، وانتهى منها عام 1970، هكذا ولدت “فساد الأمكنة” التي جاء عنوانها من استيائه من منظر الشوارع والحدائق بعد انتهاء موسم الاحتفال بشم النسيم، وكأنها ليست فقط احتجاجا على استبدادية السلطة في صورة الملك وحاشيته للطهر، بل هي وثيقة احتجاج كامل لكافة أنواع الفساد المستشري في حياتنا وواقعنا.

حادث النصف متر
نفس الشيء نراه في (حادث النصف متر)، فالرواية بتقديمها واقع المدينة الفج، حيث طغت على أفراده الأنانية في مطلع الثمانينات، ضاربا بالقيم والأخلاق عرض الحائط، هي في الحقيقة تدين هذا الواقع وتعريه، في رفض قاطع لهذه السلوكيات حتى ولو لم ينحز الراوي في عرضه لأي طرف. وبناء على هذه الرؤية جاء حضور المرأة في أعماله على اختلافها، لا في صورة المرأة المهمشة أو الضعيفة، بل هو حضور النموذج المتحرر، حيث يصل بها التحرر، كما في شخصية صفية بطلة قصة “السيدة التي والرجل الذي لم”، إلى التفنن في مراوغة زوجها للخروج لممارسة البغاء، وحين يضيق عليها الخناق تخترع قصة ساذجة ثم تلقي في يده دليل خيانتها الدولار، ليلقي الزوج بجملته الصادمة «منك لله يا صفية.. شغلتي بالي وخلتيني افتكر فيك شيء بطال».

لا تقل عناوين قصصه غرابة وطرافة عن موضوعاته المثيرة كما هو واضح في عناوين “الرجل الذي ضحك على الحصان” و”السيدة التي والرجل الذي لم” و”مشروع قتل جارة” و”البنت الفلحوسة” و”استقالة الست أم علي” و”الأب والابن والحمار”.
صبري موسى. كما قال عنه الناقد الدكتور غالي شكري “إن صبري موسى يبحث في صبر وأناة وجمال عن رؤى تخترق أحشاء الواقع، فتصل إلى نبوءة جمالية عميقة لأخطر الهزائم وأبقاها في كياننا الروحي”.