الرقص الشعبي بأبين.. تراث وتاريخ وأصالة

تقرير/ عبد الله الظبي

تشتهر محافظة أبين برقصات شعبية عدة، أشهرها رقصة (الدحيف، والشرح) وغيرهما، وهاتان الرقصتان تعتبران من أجمل الرقصات التي تشتهر بها أبين عامة، ومنطقة شقرة خاصة،
ويؤديها في العادة الصيادون ببراعة وإتقان فني جميل في أوقات سمر الليل، كتعبير عن ابتهاجهم ومقاومتهم الأمواج العادية للبحر.

وتبدأ هذه الرقصات الشعبية عادة بصوت (الدان)، ويتبارى فيها الشعراء لأخذ أحسن قصيدة شعرية، ويقوم الجميع بترديدها بعد ذلك، وكانت تؤدى هذه الرقصة في الماضي «بأن يرتص صفان، واحد من الرجال والآخر من النساء، ويتم بصفقة الأرجل على الأرض مصحوبة بالصفقة، ويتخلل ذلك نزال اثنين من الراقصين (رجل وامرأة ) إلى الحلقة بين الحين والآخر، لتأدية الحركة مع الدوران، أما في الحالي فيؤديها الرجال فقط.

ومن أشهر أقوال عميد شعراء (الدحيف) المرحوم أبو بكر باسحيم «عادني عيش رغم الفقر مرتاح عادي.. با بلادي ولو كل من حجار الجبل.. وأشرب من البحر ما بافارقش يا بلادي.. وإن عطوني السعودية وأربع دول.. ماهي بعيني كما شقرة وقاسم عباد».

تاريخ عريق
مدير مكتب الثقافة بأبين، حسين بامطيرة، قال إن «أبين تشتهر بالعديد من الرقصات الشعبية، وهي غنية بالتراث الشعبي والعادات والتقاليد».

وأضاف لـ«الأيام» «الرقصات التي تعبر عن حالة الناس لها تاريخ عريق، ونحن في مكتب الثقافة نحافظ على هذا التراث الشعبي من خلال المهرجانات التي يقيمها المكتب في المحافظة، وهناك العديد منها على المستوى المحلي في أبين عبر السمرات الشعبية، ومن هذه الرقصات المشهورة رقصة (الدحيف)، وهي من أهم الرقصات، ويتم تقديمها في السمراء الليل، وتبدأ بصوت الدان حيث يجتمع الحاضرون على شكل دائرة يرتص صفان، أحدهم من الرجال والآخر من النساء، ويتم بصفقة الأرجل على الأرض مصحوبة بالصفقة، ويتخلل ذلك نزول اثنين من الراقصين (رجل وامرأة)، ويتم فيها المساجلات شعرية، يمارسها الصيادون في أفراحهم وعند الحصول على الرزق من البحر».


وتابع: «من الرقصات الشعبية (سمرة الجبل) وهذه رقصة بعض المناطق الجبلية بدون الايقاع، ويبدأ الشعراء الجلوس على الأرض مثل (الدحيف)، وكذا رقصة (السمرة الساحلية) عبارة عن مجموعة من الرجال والنساء وصوت الدان، ومن الرقصات الخاصة بزنجبار رقصة (المياحة)، وهذه الرقصة خاصة بالنساء، تقدم في العرس الأبيني، وهذه الرقصات الشعبية يتم تبادل الحركات الاستعراضية».

أهم الفنون التراثية والشعبية
من جانبه، قال أستاذ النقد الأدبي، وأحد المهتمين بالرقصات الشعبية، د.سعيد محمود أحمد بايونس، إن «فن الدحيف يعد من أغنى وأهم الفنون التراثية الشعبية في اليمن، وهي رقصة بحرية خاصة بمدينة شقرة الساحلية يمارسها الصيادون في أفراحهم وأعيادهم، وعند الحصول على الرزق الوفير من البحر».

وأضاف لـ«الأيام» «تبتدئ الرقصة في توقيت زمني يختلف عن كثير من الرقصات، وتحديدا عند الساعة الـ12 في منتصف الليل، وتكون بمباراة شعرية بين الشعراء على دان الدحيف، يتميز به من تنوع إبداعي، وما يشتمل عليه من جزئيات جمالية تكاملية تتظافر أنسجة الفن فيها لتشكل لوحة فسيفساء رائعة، يتناغم فيها الشعر واللحن والصوت والإيقاع والرقص ومزاج البيئة الشعبية الحاضنة لهذا الإبداع التراثي الشعبي».


وتابع «فن الدحيف التراثي يرتكز أساساً على رقصة تسمى رقصة الدحيف، وموطنها محافظة أبين، وعلى الأخص مدينة شقرة الساحلية، ويمكن القول تأسيساً على ذلك إن هذه الرقصة هي إحدى الرقصات الشعبية للصيادين، ولكن لا يمكن أن يكون الدحيف دحيفاً حقيقاً عند مؤديه ومرتاديه إلا إذا إقترن بالشعر والغناء والإيقاع وأريحية السامرين».

واستطرد «تقام حفلات الدحيف في مناسبات الزواج، ويختلف الناس في تحديد مدة إقامتها حسب قدرة مقيمها المادية، فالبعض يقيمها لمدة ليلة (الليلة السابقة للزفاف)، والبعض يقيمها ليلتين قبل الزواج، والبعض مدة ثلاث ليل، والبعض يجعلها أسبوعاً كاملاً، وكانت العادة في الماضي أن تقام ليالي الدحيف في منتصف الشهر العربي (الليالي المقمرة)، نظراً لعدم وجود الكهرباء حينها، أما في الحاضر فإن وجود الكهرباء جعل الناس يختارون لها أي لية في الشهر».

الشعراء
بدوره، قال أحد شاعر الدحيف في منطقة شقرة، الشاعر إيهاب باضاوي، إن «الشعراء هم عماد الحفل؛ إذ أن الشعر الذي يقولونه في تلك الليلة بصورة تلقائي وفورية (شعر ارتجالي)، من خلال المساجلات فيما بينهم على صوت المغنيين (مرددي صوت الدان)، والشعر هو الأثر الوحيد الذي يبقى لعشرات السنين بعد ليل الحفل، وأغلب مرتادي حفل الدحيف يأتون أساساً من أجل سماع جديد هؤلاء الشعراء، والاستمتاع بجدلهم الشعري الجميل».


وأضاف لـ«الأيام»: «للدحيف شعراؤه المتخصصون الرئيسيون الذين يجتهد صاحب الحفل في دعوتهم، وتحمل تكاليف انتقالهم من مناطقهم إلى مكان إقامة الحفل، على أن ذلك لا يمنع أن يشارك أيضاً في المساجلات شعراء آخرون جاؤوا من تلقاء أنفسهم للمشاركة، وفي العادة يبدأ المساجلة صاحب الحفل إذا كان شاعراً، أو أكبر الشعراء الموجودين في منطقة الحفل، ثم يأتي الرد من شاعر آخر من المستضافين، وتستمر المساجلة على قافية واحدة فترة، ويختار المغني أفضل بيت في المساجلة ويرقصون عليه على صوت الطبل والهاجر الذي يتوسط المدارة المحددة للرقصة، وبعد انتهاء الرقصة يبدأ شاعر بقافية جديدة ثم أخرى حسب النفس الشعري العام السائد حينئذ، وكذا اللحن والإيقاع للرقصة».

وتابع «من أساسيات الرقصة صفان متقابلان، والنساء خلف قارعات الطبول، والرجال مقابلون لهن، ولايقل كل صف عن 6 راقصين، والمقطرة بالبخور تعصر وسط المدارة ثم توضع قريبة من الطبل والهاجر».

المغني أو المؤدي
شفيق عثمان، وهو أحد الشباب المهتمين بالرقصات الشعبية قال: «هناك فنان للحفلة، أو قد يوجد هناك أكثر من فنان في الحفلة الواحدة، ويقوم هذا بالتقاط قول الشاعر سواء أكان بيتاً أو بيتين أو عدة أبيات، والدندنة بها بصوت لحن الدحيف السائد في تلك اللحظة».


وأضاف لـ«الأيام»: «للدحيف ثلاثة ألحان رئيسية: هي القصير والطويل والمتوسط، فإذا كانت متناسبة مع اللحن غنّاها، وإذا لم تكن متناسبة؛ إما يتدخل الشاعر لإصلاح الخلل اللحني، أو يمسك المغني عنها، ويستمر الفنان أو المغني في الغناء مع المرددين حتى ينسج شاعر آخر كلمات أخرى جواباً على تلك الأبيات، ويلقّنها للمغني فيستأنف المغني الغناء بالأبيات الجديدة وهكذا حتى نهاية الحفل».

وتابع «تكمن أهمية الغناء
في فن الدحيف أنه يتيح فرصة للشعراء لاستيعاب ردود بعضهم على بعض من خلال ترديدها من قبل المغني والمنشدين، ثم ترتيب أفكارهم ونظم الرد المناسب لها إلى ما يشيعه الغناء من جو البهجة والحماس بين الحاضرين والراقصين، وكذا تثبيت الشعر في ذاكرة الموجودين في الحفل».

واستطرد «في الدحيف يجلس المغني في وسط المدارة، أي ساحة الرقص، ويبدأ بشل الدان، يشل دان، دان الدحيف، (داني دان دان.. يا دان يادان دان، يادان يادان دان يادان يادان دانه».
وقال عثمان «من ثم يبدأ الشعار بإرسال القصيد والمغني يدندن بها بكلمات القصيدة التي يرسلها الشاعر، ويكون الطرح على بيت بيت من أجل يسهل على المغني حفظها وإنشادها، ويكون القصيد أو القاف محصور».

راقصو (الدحيف)
فيما قال د. صلاح مريبش، أستاذ اللغة العربية، والذي أصدر كتاب خاص برقصة (الدحيف)، «تبدأ رقصة الدحيف عادة مابعد منتصف الليل، وتنتهي مع تباشير الصباح، وتتخللها المساجلات الشعرية، عمادها الدان حتى إذا ما حان وقت الكسرة، أي بدء الرقصة يختار المنشد «مغني الدان» أجمل بيت في المساجلة، ويتكون طاقم الراقصين من صفين متقابلين صف من الرجال والصف الآخر من النساء، ويؤدي هؤلاء رقصة الدحيف تبعاً للحن، حيث تبدأ الرقصة خفيفة على صوت اللحن القصير ثم تصبح أثقل وأثقل كلما أقترب الوقت من نهاية الحفل عند طلوع الصبح، ثم يتحولون إلى رقصة الشرح».

وأضاف لـ«الأيام»: «تمتاز هذه الرقصة بضربة الأرجل على الأرض مع الصفقة من قبل النساء والرجال، ويتخلل ذلك نزول اثنين من الراقصين «رجل وامرأة» إلى الحلقة بين الحين والآخر لتأدية الحركة مع الدوران، ويعودان إلى الحلقة، وتستخدم في هذه الرقصة طبول كبيرة «المهاجر»، كما تستخدم فيها أيضاً «المقطرة»؛ التي يوضع فيها الجمر والبخور، وتحملها امرأة وتدور بها في الحلقة «المدارة»، وتؤدى هذه الرقصة أيضاً في مناسبات الزواج، والأعياد الدينية، والابتهاجات الخاصة».

واستطرد «هو فن الدحيف بعناصره التراثية الرئيسية حسبما هو مألوف في المناطق الشهيرة التي مازال يؤدى فيها، وهي: شقرة والطرية والعصلة وزنجبار والكود».​