الشهيد الحي

أريج محمود شاذلي​

الشهيد جعفر محمد سعد
 الشهيد الحي، أيقونة عدن «الشهيد الحي جعفر محمد سعد» الرجل الذي جمع بين العسكرية الملتزمة والخبرة والحنكة والانضباط، وبين المدنية التي ترسخت في عقله وقلبه بسبب نشأته العدنية الخالصة، ابن الشيخ عثمان الذي شق طريقه من وسط بيت عادي من عامة الشعب ومن حارة الهاشمي العتيقة في مديرية تنبض بالحياة والحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، ومنطقة تعج بالمناضلين ورجال العلم والمعرفة والثقافة المتنوعة والاندماج بين كل شرائح المجتمع.. وما كان لعدن إلا أن تنتج أيقونة اسمها «جعفر محمد سعد» ملهم الأجيال بمعاني التضحية والإخلاص والصدق والشجاعة والتواضع.

لقد كان من أول الرجال الذين لبوا النداء للوطن وعدن بلا تفكير أو حسابات أو تردد، فكان هذا الرجل الضرغام قد أعد العدة والخطط العسكرية لتحرير عدن من الغزو الحوثي، وكان بعد ذلك أول حاكم لمحافظة عدن بعد التحرير، ولم يدخر جهدا في مساندة أبناء عدن وإطلاق مشروع البناء والتنمية، وقد عرفه القاصي والداني بأنه «الإنسان الخلوق، ذو القلب الحنون كحنان الأب لأولاده والحب لمدينته ووطنه»، على الرغم من أنه كان يعيش حياة كريمة في المهجر، وكان يحمل الجنسية البريطانية بعد أن غادر وطنه مكرها لنفس السبب، وهو قائد عسكري في الميدان ضد غزو نظام علي عبدالله صالح للجنوب في عام 1994م، حيث كان قادرا على أن يستمر بحياته في المهجر براحة واستقرار وأمان، إلا أنه فضل الوطن على نفسه، ولبى النداء، وكان في الميدان مع إخوته في التحالف العربي، وأبناء جلدته من أبناء عدن والوطن، في وقت هرب الكثير من الرجال وأصحاب الشعارات البراقة والمتاجرين والمنافقين . ولم يكن جعفر من أولئك الذين يحشدون الرجال والأطقم من خلفه، ولم يكن يهوى الشهرة الكذابة، من خلال إنفاق أموال المحافظة لطباعة صوره، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لتلميعه، كما يفعل البعض، الذين يلهثون وراء الدعاية الكذابة، وحشد جيوش من الحراسات والأطقم وراءهم، حتى يصدروا الوهم لأبناء الوطن، «وهم لم يقدموا واحدا في المائة مما قدمه جعفر محمد سعد بفترة وجيزة». الشهيد البطل جعفر لا ينتمي لحزب أو قبيلة، لقد كانت قبيلته عدن والوطن الجنوبي من أقصاه إلى أقصاه، وكان يمتلك حراسة متواضعة من أبناء عدن المخلصين الميامين، والذين ذهبوا ضحية حين اغتالته يد الغدر والخيانة والنذالة، «ولم يقدم لجعفر أي دعم من أي نوع لا بالمال ولا الرجال ولا السلاح»؛ لأنه «لم يكن يتبع قبيلة، ولا متملقا أو وصوليا رخيصا». لقد صنع جعفر تاريخا حقيقيا لعدن والجنوب وليس زيفا وتزويرا وكذبا . فيوم السادس من ديسمبر 2015م المشؤوم، كانت الكارثة، وعم الحزن كل بيت بعدن، لقد تجلت الخساسة والكراهية في أبشع صورها في هذا اليوم الحزين من تاريخ الوطن عامة وعدن خاصة. ولكن يبقى عزاؤنا هو «أن أيقونة جعفر ستظل الملهم والدرس الذي يجب أن يدرس في المدارس عن قصة بطل من أبطال عدن والجنوب» بقي حيا في قلوب الناس، وضرب أروع معاني الشجاعة والتضحية. فلا نامت أعين الجبناء والخونة والمتخاذلين. الرحمة للشهيد الحي جعفر محمد سعد ومرافقيه مـن شباب عدن الباسلة، الرحمة لكل شهداء الوطن.