صحيفة الأيام - إضراب المحاكم بعدن.. ما بين الحقوق الضائعة والواجبات المغيبة

إضراب المحاكم بعدن.. ما بين الحقوق الضائعة والواجبات المغيبة

تقرير/ سليم المعمري

 يُعد إضراب القضاة وتوقف المحاكمات في العاصمة عدن أحد أبرز الأسباب المؤدية لتكاثر انتشار الجرائم والمجرمين والمخالفين وتوسع رقعة الانتهاكات بحقوق المواطنين وفي مقدمتهم الأطفال والنساء والضعفاء من الناس.
كما أن التوقف الكامل منها عن تأدية مهامها يُخرجها من دائرة التوقف بصورته الاحتجاجية إلى دائرة الفعل الإجرامي الماس بحقوق المجتمع ونظام الدولة وسلمه الاجتماعي والمتمثل في “جريمة إنكار العدالة” التي تضمنها قانون العقوبات اليمني مادة (186) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م، والتي تنص على “كل قاضٍ امتنع عن الحكم يعاقب بالعزل وبالغرامة، ويُعد ممتنعاً عن الحكم كل قاضٍ أبى أو توقف عن إصدار حكم بعد تقديم طلب إليه بهذا الشأن”.
محكمة صيرة الابتدائية


ارتكاب جريمة
أكرم الشاطري
وبهذا الخصوص يقول رئيس منظمة أحرار لحقوق الإنسان والتنمية، أكرم الشاطري، متسائلاً: “هل ما يقوم به القضاة من تحركات حقوقية تنسجم مع وضعهم كسلطة ثالثة؟، وهل يمكننا أن نتحدث عن إضراب سلطة، أم أن الأمر يختلف بين سلوك القاضي ووضع القضاء؟ وهل تحركهم هذا مسموح به للذين يعملون تحت إمرة آخرين وتوجد علاقة تبعية للرئيس على مرؤوسه، وهو تحرّك يقوم به الأجير تجاه مؤجره إذ أن يضرب لتحسين وضعه أو تغييره؟ أما القضاة بالنسبة إليه فهم سلطة متساوية مع السلطة التنفيذية والتشريعية، وليست في علاقة تبعية أو خضوع لأحد، ولهذا فالقاضي ليس أجيرًا أو عاملًا يدافع عن حقوقه المادية، ومن هنا فإن الإضراب أمر لا يتناسب مع المسؤوليات المحمولة عليهم، كون القاضي كالمحارب له مسؤولية تجاه شعبه ووطنه، فهو مؤتمن على العدل حتى في منزله وأيام العطل، يؤدي عمله في المحكمة وفي كل تراب البلد، كما إنه مطالب بإقامة العدل ولا يحق له أن يرفض عدم إقامة العدل، كونه السلطة التي تحكم بين الناس وتفض النزاعات بينهم عملاً بالنصوص الدستورية”.

وأكد الشاطري في تصريحه لـ “الأيام” بأن القاضي يرتكب جريمة عندما يتوقف أو يمتنع عن إقامة العدل؛ باعتبار أن الإضراب حركة لا تتأقلم مع سلطة القضاء ووضعه، وحينما يضرب القاضي فهو يهين بذلك القضاء ويمس من سلطته، ويكون بذلك قد قام بتصغير مكانته وتخلى عن دورة الريادي والقضائي، ولهذا ليس على القضاة الطلب أو الاحتجاج كون هياكلهم دستورية كهيئة القضاء وهي التي تسهر على حقوقهم الممنوحة لهم كسلطة قضائية، وما على القاضي إلا أن يضع نفسه فوق هذه الاعتبارات المطلبية لاسيما كالتسويات والترقيات وفي ظل فوضى البلد، وهم أعلم أن إضرابهم يدخل في مفهوم أن عدم الفصل في النزاعات بين الناس ورفض فض نزاع ما يوم إضرابه هو رفض إقامة العدل مما يعد جريمة إنكار العدالة.

وتابع قائلاً: “لقد استبدل القضاة دورهم بدور الموظف، وبذلك وضعوا أنفسهم في موضع دون السلطة التشريعية والتنفيذية، واستبطن موضع الأجير وعقلية الموظف، وهذا الوضع لا يقبله القضاة إذ يعتبرون أن الدفاع عن وضعهم المادي والمهني ووضعهم التشريعي والقانوني هو الذي يحصن سلطتهم، فهم إحدى السلطات الثلاث التي استوجب الفصل بينهما.
ودور القاضي وعلاقته وموضع سلطنه وعمله القضائي هو موضع مناشدة الجميع بإقامة العدالة، فالمعلمين مثلًا حينما انتقدهم المجتمع على تعطيل رسالتهم التعليمية، الجميع طالبهم بالتوجه إلى القضاء لانتزاع حقوقهم فكيف سيكون الأمر عندما يجد المعلمون أن القضاء والعدالة معطلة بسبب امتناع القضاة عن أداء واجبهم في إحقاق الحقوق واستقرارها ولو بالحد الأدنى؟”.

وأضاف متسائلاً: “وهل هذا التسويات والترقيات التي يطالبون بها تُعد سببًا كافياً لتعطيل العدالة؟ وهل هذا التوقف أو الامتناع سيأتي لهم بتلك المطالب لاسيما ومرتباتهم يستلمونها بشكل منتظم؟ ولهذا أمام القضاة سبل أخرى ينبغي أن يتبعونها للضغط على رئاسة الدولة باعتبار القضاء سلطة مستقلة، وهي أن تشكل لجنة قضائية والتوجه إليها لوضع تلك الحلول مع معرفتنا أن وزير العدل مناط وظيفته تنفيذية أكثر مما هي قضائية وبالتالي التعاطي بين السلطتين على وجه الخصوص هو المنفذ الوحيد لحل هذا الأشكال، وحينما نقول التعاطي يعني أن يتوجه مسئولي السلطة القضائية إلى أعلى في السلطة التنفيذية وهي الرئاسة لا أن يجعلوا المجتمع هو الضحية”.

تعطيل القضاء
عارف ناجي
من جهته قال رئيس المجلس التنسيقي للمنظمات غير الحكومية ورئيس مؤسسة الوضاح للحوار والتنمية، عارف ناجي علي: “للعمال والموظفين بالقطاع الحكومي أو الخاص حق الإضراب السلمي عن العمل بهدف المطالبة بحقوقهم أو للتعبير عن رفضهم لأمر ما بعد استنفادهم لطرق التسوية الودية للمنازعات، وذلك ضمن مراحل وإخطارات للجهات الإدارية قبل الموعد المحدد للإضراب متضمناً أسبابه وبدايته وأهدافه، ولكن على منفذي الإضراب فهم أن الإضرابات سلاح ذو حدين، خاصة الإضراب في المنشآت الإستراتيجية أو الحيوية، ولهذا يتوجب أن يكون فعلاً منظماً، وغير مسبب باختلالات في الأمن أو بالخدمات الأساسية التي تقدم للمواطنين وبالمنشآت ذات الطبيعة الخاصة التي يترتب على توقف العمل فيها بشكل كلي بأضرار جسيمة لا يمكن تداركها”.

وأكد علي لـ “الأيام” بأن إضراب المعلمين والقضاة هو تعطيل للعملية التعليمة وكذا القضائية، وإذا كان لابد منها فلا يمنع أن تنفذ في مواقع القضاء والتعليم وبشكل لا يضر بمصالح الناس والطلاب أكان تكون عبر الشارات أو إضراب لساعات محددة فقط، والسؤال الأهم هل القضاء صوت حقيقي للمظلومين لكي يلجأ العمال والمعلمون وموظفو القضاء للقضاء نفسه؟ غير أن الحقيقة المرة أن انعدام القانون والعمل المؤسسي والاستخفاف بحقوق الموظفين من قِبل الحكومة هو الذي يدفعهم للإضراب باعتباره الحل الوحيد أمام تزمت الحكومة.



الوسيلة الأكثر نفعاً
القاضي/ صباح علواني
من جهتها، أوضحت رئيسة نادي القضاة الجنوبي، القاضي صباح علواني، بأن إضراب القضاة لم يكن وليد اللحظة، ولم يكن الهدف منه هو الإضرار بالمواطنين، وإنما لكونه الوسيلة الأكثر قوة لنيل حقوقهم بعد إعطائهم مجلس القضاء الأعلى أكثر من مهله، مع التزامهم بتنفيذه وفق خطوات تصعيدية تدريجية، بدءا بإعطاء مهلة مع العمل، ثم الإضراب الجزئي، فالكلي بغرض إعطائهم حقوقهم القانونية والمشروعة كالتسويات والرعاية الصحية والحماية للقضاة ولمقراتهم.

وأضافت في تصريحها لـ “الأيام” القضاة الجنوبيين طالهم الظلم والإقصاء والتهميش والانتقاص منذ وقت طويل في الوقت الذي كانوا فيه يؤدون فيه بواجباتهم على أكمل وجه، بل وظلوا يشحتون حقوقهم بدل من أن تُعطى لهم بكرامة، ومن هنا يستحيل أن يكون إضرابهم من أسباب تعزيز الفوضى أيًا كانت نوعها، فقد حرصوا على العمل في ظروف أمنية صعبة وواجهوا الكثير من التحديات استشعروا معها بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، ومن أجل حماية الحقوق للمواطنين ومحاربة الجريمة ومحاسبة مرتكبيها لإرساء دعائم القانون والحفاظ على الأمن والسلام، ودفع جرائها الكثيرون أرواحهم، فثلاثة منهم قتلوا وتعرض آخرون للاعتداء والتهديد، وتم انتهاك مقراتهم، وذلك في ظل غياب الحماية للقضاة ومقراتهم، ولم يحرك مجلس القضاء حينها أي ساكن، في الوقت الذي تقع عليه المسؤولية توفير الحماية اللازمة لهم ولمقراتهم، ولهذا لم نجد وسيلة أخرى للضغط على المجلس للقيام بواجبه تجاه القضاة سوى الإضراب، ولهذا  كان مجلس القضاء هو السبب الرئيسي فيما وصلنا إليه، وفي حال استمراره في ذلك سيكون لنا طرق أخرى للتصعيد، خصوصاً أننا إلى الآن لم نجد أي تجاوب إيجابي، وما زلنا منتظرين ما ستظهره الأيام القليلة القادمة، ونأمل من المواطنين تفهم أوضاعنا، ونؤكد للجميع بأن مطالبنا ليست مالية كما يتبادر إلى أذهان البعض، وإنما حقوق طال انتظارها، وهي حقوق قانونية، ومتى ما تحصلنا عليها سنكون في أعمالنا لإنصافهم وحمايتهم وحماية حقوقهم.

مبنى محكمة الحوطة الابتدائية، لحج

اتباع طرق أخرى
فيما قال رئيس بيت العدالة الإنسانية، أحمد فيصل الأبي، وهو محامٍ مترافع أمام المحكمة العليا للجمهورية: “للقضاة حقوق مشروعة، ولكن ما الذي حققه القضاة من إغلاقهم للمحاكم والنيابات؟ ولماذا لا يتخذون خطوات أكثر فاعلية كتنظيم وقفات أمام مقر رئاسة الجمهورية للمطالبة بحقوقهم؟”.
وأضاف لـ “الأيام” لا شك بأن للقضاة حقوق مهضومة أولها توفير الحماية الأمنية والتسويات المستحقة والرعاية الصحية، ولكن بالمقابل كيف لهم أن يقووا على إنصاف المظلومين والانتصار للعدالة وهم أنفسهم قد سلبت حقوقهم؟ وهذا السلب لابد من إزالة ضرره، ولكن من القواعد الفقهية المتفق عليها “الضرر لا يزال بمثله”.

ومتى ما أعلن القضاة عن تنظيم وقفة سنكون أول الحاضرين معهم وسنظل نساند مطالبهم المشروعة، وإن لم تصاحب الوقفة الاحتجاجية تغطية إعلامية كافية فلن تحقق أثرها.

أضرار
وقال المعلم غازي كليب: “ملفاتنا في المحاكم لأكثر من 20 سنة، وحينما وصلت إلى محكمة الاستئناف بعدن، أُعيدت مرة أخرى إليها لوجود تقصير، وحالياً توقفت المحاكم بسبب الإضراب، وما أتمناه من القضاة هو عدم إغلاق المحاكم لِما يترتب عليه من أضرار على قضايا ومشاكل المواطنين
غازي كليب
”.
وأضاف أبو جواس، الكل متضامن مع القضاة في مطالبهم الحقوقية، ولكن نتمنى أن تكون المطالبة بطرق أكثر حصافة وتأثير وبما يليق مهابة ومكانة السلطة التي يمثلونها، لاسيما أن هناك أساليب وطرقا أخرى أكثر نجاحاً مما سلوكه، فهناك الإعلام والصحافة و(السيوشل ميديا) والحراك الاجتماعي وأشكال عديدة من الاحتجاج المؤثر لكن للأسف غابت الحكمة وكان أول الدواء منهم آخره، وهو (الكي) كما قالت العرب.