(شمنار يُهنْعم) ملك حميري في الضالع

تقرير خاص

الملك شمنار يهنعم ملك سبأ وذي ريدان
الملك شمنار يهنعم ملك سبأ وذي ريدان
 كشف الباحث الأثري شايف محمد الحدي، طالب في كليّة الدراسات العليا ـ جامعة أمدرمان، في السودان، عن سرّ الاكتشافات الأخيرة في بلدة حَجْر بن ذو رُعَيْن الحِمْيَري، إلى الشمال الغربي لمدينة الضالع، بأنّها تعدّ الأوّلى من نوعها في اليمن والجزيرة العربيّة، التي تمزج بين عمق الحضارة ونكهة التاريخ القديم، وتميزت بخصوصية الزمان والمكان، وهي عبارة عن قطع معدنية ذات قيمة فنية ودلالة تاريخية وأثرية فريدة لـ(الملك الحِمْيَري شمنار يُهنْعم)، ملك مملكة سبأ وذي ريدان الحِمْيَرية ، التي قد تعتبر كنزًا معلوماتيًا يمدنا بأشياء كثيرة مجهولة عن حياة الملك الحِمْيَري شمنار يُهنْعم أقدم ملوك حِمْيَر (ملوك الدولة الحِمْيَرية الطبقة الأوّلى، فترة حكم ملوك سبأ وذي ريدان الحِمْيَرية وكانت عاصمتهم ظفار)، ممن حكموا من القصر الملكي ريدان قبل ميلاد النبي يسوع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بربع قرن ميلادي، ويؤرِّخ هذا الاكتشاف ثقافة المكان، ويلامس عمق الحضارة بالدليل المادي الملموس الذي يعود إلى حوالي 2200 عام ولا يُعرف عنه إلاّ النُزر اليسير.

وأضاف في تصريح لـ«الأيام» أنّ عدد ملوك الطبقة الأوّلى للدولة الحِمْيَرية بلغ حوالي 18 ملكًا، وكان لا يطلق عليهم اسم الملوك (التبابعة)، كما هو معروف بالطبقة الثانية لملوك حِمْيَر؛ بل ملوك (سبأ وذي ريدان)، ولا يزال العمل جاريًا على دراسة هذه القطع النادرة، التي لا تُقدر بثمن من حيثُ قيمتها التاريخيّة؛ وهذا الكشف سيحدد ويؤرِّخ تسلسل قوائم الملوك الحِمْيَريين والسلالات الملكية وتحديد عهودهم وكبار الشخصيّات والوقائع ومختلف الأحداث بالتواريخ الأثرية والتسلسل التاريخي على عدد من القرائن التاريخيّة من خلال هذه المعثورات الأثرية المكتشفة.

أثناء-لقاء-الباحث-مع-وزير-الثقافة-مروان-دماج
أثناء-لقاء-الباحث-مع-وزير-الثقافة-مروان-دماج

وأوضح أن القبائل الريدانية هاجرت من أراضي قتبان إلى المرتفعات الجنوبيِّة والغربية الجنوبيِّة بما يُعرف بمناطق (سرو حِمْيَر أو مرتفعات حِمْيَر)، أو كما أطلق عليها باسم المدن اللامعة في ممالك المرتفعات، وهي الأراضي الحالية لمناطق يافع والضالع وردفان والمسيمير وحريّر والشُعيب وجحاف وذي حران وحَجْر والمعفاري وشُكُع وخلّة والعُقلة وذخار وثماد والضُبيّات ومريس والعُود بن سالم وجُبْن ودمت ورُعَيْن، واتّخذت هذه المملكة من ظفار عاصمة لها وشيدت قصرها الملكي باسم (ريدان)، نسبةً إلى موطنها الأوّل بالقرب من جبل ريدان بمدينة العليا في بيحان ـ شبوة، مؤكّدًا في السياق ذاته أن اسم الملك (شمنار يُهنْعم)، لم يرد في النقوش المسندية العربيّة الجنوبيِّة القديمة التي اكتشفت حتى الآن، أو في قوائم ملوك ممالك جنوب شبه الجزيرة العربيّة من سابق، إلى أن تم اكتشاف قطع معدنية مؤخرًا في محافظة الضالع تحمل صورة واسم هذا الملك الذي حكم في الربع الأخير من القرن الأوّل (ق.م) وبداية القرن الأوّل الميلادي، وهو أوّل ملك في جنوب الجزيرة العربيّة يحكم ما بين فترتين زمنيتين (نهاية القرن الأول (ق.م) وبداية القرن الأوّل الميلادي)، حيثُ إنّ اللقب (يُهنْعم)، الذي حمله، تلقب به بعض الملوك القتبانيين والحميريين، ويعني عند مجموعة المؤرخين بـ(ناشر النعم)، أو بمعنى الملك الذي يُغدِق على شعبه بالرخاء والعيش الكريم.

 وأشار الباحث الحدي إلى أنّ هذا الاكتشاف لمعثورات الملك شمنار يُهنْعم، يعد الأوّل من نوعه على مستوى اليمن والجزيرة العربيّة ككل، ويدل هذا الكشف الأثري على العمق الحضاري والتاريخي المهم لمنطقة الضالع، حيث إنّ اسم هذا الملك المكتشف حديثًا وبقية معثوراته تقودنا إلى استعادة أمجاد الماضي التليد وإعادة صياغة فصولاً تاريخيّة جديدة كانت غائبة عن علماء الآثار، لا سيما وأنّ هذا الكشف الأثري يُبَيِّن أنّ قوائم ملوك حِمْيَر المعروفة بـ(ملوك سبأ وذي ريدان الحِمْيَرية)، التي دوّنها علماء الآثار المستشرقون كـ(جون فيلبي ووليام أولبرايت وإدورد جلازر وفرتز هومل وويندل فليبس)، وغيرهم من علماء الآثار، لم تذكر هذا الملك الحِمْيَري، الذي كما يبدو من صورته أنه كان ذا هيبة عظيمة ومكانة مرموقة ومنزلة عالية، ومنوهًا في سياق حديثه إلى أنٍ هؤلاء العلماء الآثاريين عرفوا ترتيب الملوك في قوائمهم من خلال الاستقراء أو الاستدلال الاستقرائي والتتبع للأحداث والتواريخ وتحليلها ومقارنتها لرسم صورة عن حياة المجتمعات آنذاك“.

وأردف قائلاً: ”التاريخ القديم ـ خصوصًا ـ لا نستطيع أدراك جميع مكوناته وأجزائه ومراحله وأحداثه لضئالة الآثار وعدم تدوّين ذلك في نقوش أو بسبب الحروب التي كانت تقع بين تلك الممالك ويحدث فيها تطبيق (سياسة الضم والإلحاق)، وطمس للتاريخ والهويّة وتدوّين تاريخ المنتصر دومًا.

مسكوكات مختلفة للملك شمنار يهنعم
مسكوكات مختلفة للملك شمنار يهنعم

وواصل قائلاً: «إنّ صورة الملك شمنار يُهنْعم جميلة جدًا ويبدو أنه عندما ضُربت هذه القطع المعدنية كان ما يزالُ في رَيْعانِ ِشَبابِهِ أو بداية تولّي الحُكم، ويظهر عليها خصلات شعر طويلة (ظفائر)، أو أقفال منمنمة من الشعر وأغطية الأذن، وهي تتدلى على الكتف وله عينان بارزتان جاحظتان إلى أقصى حدٍ يعلوهما حاجبان وأنف كبير بارز مستقيم وحليق الذقن ويزين صورة الملك الإكليل الملكي أو تعلو رأسه (خوذة حربية والمعروفة بخوذة المحارب)، وهي مميزة ومزخرفة بأشكال فنية بديعة تصور الملك بكامل قوته ومجده وتشير إلى طبيعته الحربية وحملاته العسكرية التي لا يُعرف وُجّهتها، ويفترض أنها من نوع الخوذ التي ارتداها الأباطرة والملوك وكانت رمزًا لهم، أو كتلك الخوذ الحربية التي تدل على أن صاحبها فارس حِمْيَري محارب كان يستخدمها في ساحة المعركة لتمكين الآخرين من التعرف عليه من مسافة بعيدة، وهي تلك الفترة الزمنية التي ظهرت فيها الممالك المحاربة في الحقبة الوسطى فترة الإمبراطورية الحِمْيَرية».

 وتابع قائلاً: «إنّ هذه المعثورات من القطع الفضّية تمثل أوّل اكتشاف فريد من نوعه في تاريخ اليمن والجزيرة العربيّة ككل لهذا الملك ويعدّ هذا الكشف الأثري نادرًا وذا قيمة علمية كبيرة تُبَيِّن العمق التاريخيّ، وأنّ هذا الكشف التاريخيّ بحاجة إلى توثيق للُقى الأثرية وعمل طويل ومضنٍ ويفترض أن يُشرف على سيره متخصصون وخبراء، ويتطلب تكثيف الجهود من قبل الهيئة العامة للآثار والمتاحف والجهات الحكومية ذاتُ العلاقة للوصول إلى نتائج أكثر دقة وإيجابية في هذا الخصوص عن طريق التتبع والاستقراء وجمع المقتنيات والمعثورات الدفينة لتوثيقها وتحليلها على ضوء استنتاجات المسح الأثري، وأنّ بواعث الاهتمام بهذا الحدث التاريخيّ الوطني أمرٌ مهم جدًا، خاصةً بعد ظهور نتائج تاريخيّة بالغة الأهميّة من شأنها توضيح البُعد التاريخيّ للموقع الذي يضم الدليل الأثري، والذي هو ـ أيضًا ـ بحاجة ماسة لعمل الدراسات الميدانية والمسوحات الأثرية الشاملة لأدق التفاصيل والقيام بأعمال المسح والتنقيب، وجمع الدلائل الأثرية جمعًا دقيقًا ومنهجيًا والمحافظة عليه وحصر وتوثيق الموقع ضمن المواقع التراثية والأثرية والتاريخيّة».

وأكّد الباحث إلى أنّ الأهميّة التاريخيّة لهذه المعثورات تكمن في كونها تورد اسم ملك حِمْيَري لم يذكره المؤرخون ولا كتب التاريخ من سابق، ولم تذكره النقوش المسندية التي عُثر عليها إلى الآن، كما أنّ مكان الاكتشاف قريب جدًا من مدينة شُكُع عاصمة مملكة يُهَنْطِل، التي ذكرها نقش صرواح المكتشف في 2006م في مأرب من قبل البعثة الإيطالية والذي حدد الموقع الجغرافي لهذه المملكة بين (يافع ورُعَيْن) من خلال حملة المكرب السبئي يثع أمر في نهاية القرن الثامن (ق.م)؛ وهذا النقش هو بمثابة رواية حربية يوثق أسماء ملوك وممالك ومدن لم يذكرها نقش النصر للملك السبئي (كرب إيل وتر)، كما أن موقع الاكتشاف لا يبعد كثيرًا عن معبد جبل العود التاريخي، الذي يعود للقرن الخامس ق.م فترة سيطرة مملكة قِتْبان على مدن المرتفعات الجنوبيِّة والغربية الجنوبيِّة؛ وهذا يطرح تساؤلاً كبيرًا إلى أنّ منطقة الاكتشاف كانت مدينة غاية في الأهميّة وسوقًا تجارية أو محطة إستراحة على طريق القوافل التجارية في المرتفعات الجنوبيِّة والغربية الجنوبيِّة لممالك أوسان وحضرموت وقِتْبان، وأنّ منطقة الاكتشاف كانت مدينة تتوسط المدن القِتْبانية والريدانية، أو بما يعرف بدخول ممالك طرق القوافل عهد الازدهار.

شعار الدولة الحميرية
شعار الدولة الحميرية

وأشاد الباحث الحدي بالدور الاستشاري الذي قدمته عالمة الآثار الدكتورة رجاء باطويل، مدير عام مكتب الهيئة العامة للآثار والمخطوطات والمتاحف بعدن سابقًا، رئيس قسم التاريخ بكليّة الآداب ـ جامعة عدن، وأيضًا اهتمام الدكتور محمد أحمد منقوش، مدير عام الهيئة العامة للآثار والمتاحف بالضالع، ولا ننسى الاهتمام الكبير الذي أبداه وزير الثقافة الدكتور مروان أحمد دماج، بهذه المعثورات وحرصه الشديد على الحفاظ عليها ودراستها مع دراسة موقع الاكتشاف.

واختتم حديثه قائلاً: «بعد إعداد دراسة طبوغرافية أولية لموقع الاكتشاف من خلال فحص كامل لمكان المعثورات السطحية والبقايا المعمارية القديمة المعروفة بالمخلفات الأثرية من أيّ نوع كان، توصلنا إلى مجموعة من المعلومات والمُعطيات بشكل أوسع وأدق عن احتمالية أن المكان كان عبارة عن مستوطنة قديمة على طريق القوافل التجارية وممرًا تجاريًّا مهمًا يربط ممالك جنوب الجزيرة العربيّة بشمالها وعرف مسار هذا الطريق التجاري الشهير قديمًا باسم طريق «درب أسعد الكامل»، وربما هناك المزيد من المعلومات سيتم الكشف عنها مستقبلاً خاصةً بعد اكتشاف معثورات دفينة من اللُقى الأثرية في الموقع، وستكشف لنا الأيّام القادمة عن تاريخ نائم على أمجاد تليدة وحضارة عريقة، فالشواهد والآثار نصوص تاريخية مغلقة، صامتةً عاجزة عن الكلام ولكنها تعود لتمتلك لسان القول حين تخاطبنا ونخاطبها، وغاية ما نتمناه أن نكون قد فصَّلنا بعضًا من الغموض الذي كان يكتنف هويّة وتاريخ هذا الملك الحِمْيَري ولربما المزيد من البحث والدراسة لهذه المعثورات الأثرية ستكشف لنا طريقة تفاعل الناس في العصور القديمة مع محيطهم، كما لا ننسى ـ أيضًا ـ التذكير بالدور الكبير الذي لعبه عالم الآثار البرفيسورمحمد علي الحاج، من كليّة الآثار والسياحة ـ جامعة الملك سعود، الذي أدلى بدلوه في هذا الاكتشاف الفريد من نوعه.​